حسن داوود
الأختان أغات وإيما ترويان معا وبالتوازي سيرتيهما، منذ طفولتهما وصولا إلى وفاة إيما، الكبيرة بينهما. يجري ذلك خطوة مقابل خطوة في تبادل السرد بينهما، مرة تتولاه هذه ومرة تتولاه تلك. وغالبا ما يترافق الماضي مع الحاضر، في نصّين منفصل أحدهما عن الآخر. فكل منهما تروي حاضرها متبوعا بما كانت قد حكته عن ماضيها. هكذا يتجاور الزمانان ويتعايشان ليظلا ماثلين حتى انتهاء الرواية بوفاة إيما، بعد إصابتها بسرطان البنكرياس.
وهي حياة عادية، متوترة، لكن من ضمن سياق العيش العادي. أعني بلا دراماتيكية من تلك التي تجعل التفاصيل متمحورة حول الحدث مظهرة عن أساسيته أو مركزيّته. في هذه الرواية هناك ميل إلى إطفاء الأحداث لتبدو كأنها، ظاهريا، من مجريات العيش العادي، لكن مع ذلك تظل حية تفعل فعلها تحت السطح، أو تحت الجلد.
لا يجري شيء في المكان مثلا، على غرار ما يحدث في الروايات، التي تروي حياة كاملة. بيت الجدة، وهو الأكثر رسوخا بين البيوت، ظلّ على حاله طوال حياتها وحياة حفيدتيها. باقي البيوت كانت مؤقتة، لا شيء إذن إلا تلك الحياة التي لا تجري من دون محطات حاسمة. موت الأب مرّ مرورا هيّنا في سياق الرواية، وكذلك هجر أغات وإيما لأمّهما القاسية، ومثلهما قرار إيما بالإبتعاد عن أختها أغات خمس سنوات كاملة. أَثَر ذلك يُترك دائما إلى ما بعد، أي إلى ما يخلّفه في ما سيلي من تغيّر في مسار حياة الأختين. فعلى سبيل المثال نقرأ عما خلفته سنوات الابتعاد الخمس، في ما سيلي من العلاقة بين الأختين وليس في ما جرى خلال هذه السنوات.
لكن الحدث الذي ينمو منذرا على الدوام بما قد يحدث لاحقا هو الاختلال العصبي للأخت الصغرى أغات. في طفولتها كانت تظهر ذكاء وميلا إلى الفكاهة، ما دفع أختها إلى القول، مرارا، إن أغات أذكى مني. لكن الذكاء الذي تنشّطه الفكاهة غالبا ما كان يتأتّى من الرفض والسخط. وهذا ما تحوّل مع مرور الزمن إلى مرض أدّى بأغات مرات إلى محاولة الانتحار. «غالبا ما أجد نفسي في الاستثناء، لا في القاعدة. عندما أجيب عن أسئلة اختبارات الشخصية التي في المجلات، لا أجد وصفا يلائمني بين الاحتمالات. قالت لي جدّتي ذات يوم، إن المشكلة ليست فيّ، بل في المعايير المحدودة التي تشمل الجميع. أنا لست عادية ـ بل نسخة محدودة، وهذا أبهى».
يكثر التذكّر في رواية الأختين لحياتهما، ويسير جنبا إلى جنب مع روايتهما لراهن حياتيهما. لا يحصل سرد ما يحدث في الحاضر إلا مسبوقا أو متبوعا بشيء حصل في الماضي. أي أنهما تعيشان الزمنين معا في الوقت الواحد، ورغم أنهما أكثر الأخوات قربا وانهماما إحداهما بالأخرى، إلى حدّ اعتقادهما معا بأن أحدا لم يحقّق مع أي منهما تلك الدرجة من القرب، إلا أن الحياة تظل تاركة حيزا للاختلاف والتنازع. ذلك أمر طبيعي، حسبما ترى أغات، بالنظر إلى كونهما لم تولدا في وقت واحد. «فالمولود الأول هو الأول في كل شيء، فالعائلة تولد معه. أما الولد الثاني فيأتي إلى مكان مشغول سلفا، والاهتمام الذي يتلقّاه محجوز سلفا والقلق عليه مخفّف، والتجارب الأولى مختبرة سابقا. ثم إن الولد الثاني لديه نموذج يتعلّم منه، فإما يحذو حذوه، أو يتجنّبه. ما أعرفه هو أنني الثانية، الأخيرة، الصغيرة، التي أتت لاحقا، وهو أمر شعرت به في قلبي وروحي وكل ما فيّ طيلة حياتي».
لكن أغات، التي تبدو كأنها، على الدوام، تنازع أختها بطولة الرواية، تعود لتقول، في لحظة مغرقة في عاطفيتها «لكن ما أنا أكيدة منه هو وجود رابط وثيق بين الأشقاء، لا يمكن وصفه، ولا لمسه، هذا الرابط الذي يجعلنا نتفاهم بنظرة، نتسامح بلحظة، وكأنه جسر يصل بين حواسنا ـ صلة تعقّد أحشاءنا عندما يتألّم أحدنا ـ وترفعنا عاليا عندما يفرح؟».
أن تُرى الحياة من مسافة، من بدئها إلى نهايتها، شاعرا بأنه لم يبق منها إلا الحزن. ساعات الفرح التي عاشتها الأختان، سواء بمشاهدة الطبيعة، أو بإطلاق النكات، أو بالرقص في أمكنة السهر حتى وقت متأخّر من الليل، تمرّ مثل استراحات عابرة وقلّما تترك أثرا.
” أختي وأنا”رواية فرجيني غريمالدي نقلتها عن الفرنسية كاتيا الطويل وصدرت عن دار نوفل في 312 صفحة – سنة 2025.





