*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
مع توارد التقارير عن نية روسيا، البدء بعملية عسكرية خاصة ضد أوكرانيا، كثرت التحليلات لجهة التأثيرات المُحتملة على الشرق الأوسط، خاصة أن المشهد الشرق أوسطي، يرزح تحت إشكاليات وتعقيدات وتحديات، تتزايد يوماً بعد يوم، ومع بدء العملية العسكرية الروسية تُجاه أوكرانيا، بات المشهد الشرق أوسطي، بعموم جُزئياته، واضحاً حيال المقاربات التي يُمكن اعتمادها، بناء على تفاصيل ويوميات الحرب الروسية الأوكرانية.
حقيقة الأمر، إن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، يُمكن مقاربة تأثيراتها في نواحٍ ثلاث، الأولى هي المفاوضات السياسية وطبيعة العمل العسكري، والثانية هي المساعدات الإنسانية والأمن الغذائي، والثالثة تُعد أكثر أهمية، وترتكز على إمدادات النفط وقطاع الطاقة. كل هذه النواحي ترتبط بشكل مباشر، بحالة اللا استقرار في الشرق الأوسط، إذ لم تدفع الحرب الروسية الأوكرانية دول الشرق الأوسط حتى اللحظة، نحو تموضعات واسعة الإصطفاف، حتى أن دول الخليج وإسرائيل، بقيت على نسق سياسي ودبلوماسي واحد، تُجاه طرفي الصراع الروسي والأوكراني وضمناً واشنطن ودول الإتحاد الأوروبي، وفي جانب أخر، فقد دأبت تلك الدول، على زيادة مكاسبها وتحديداً في ما يتعلق بمسألة النفط والغذاء.
لكن في المقابل، فإن العقوبات الغربية ضد روسيا، قد تحمل تأثيرات غير ظاهرية بعد، لكن في المضمون، فإن هذه العقوبات ستحمل تحديات على بلدان الشرق الأوسط، وتحديداً مصر والسعودية والإمارات، والتي تعتمد على تنويع صناعاتها الدفاعية، وتمثل روسيا في هذا الإطار، شريكاً استراتيجياً مهماً لتلك الدول.
في جانب أخر، فإن عمق الحرب الروسية الأوكرانية، تمثل حالة تجاذب وكباش ما بين روسيا والولايات المتحدة، الأمر الذي سيلقي بظلال تأثيراته، على ملفات سوريا وليبيا، خاصة أن هذان الملفان، بحاجة لتواصل روسي أمريكي، لتحقيق حالة من الاستقرار بُغية التوصل لنتائج سياسية مستدامة، ونتيجة لتفاصيل الحرب الروسية الأوكرانية، فقد باتت احتمالات التعاون بين موسكو وواشنطن، أقل من أي وقت مضى، الأمر الذي قد يؤطر مساعي البلدين لاحتواء الأزمات، إضافة إلى أن روسيا، قد تلجأ لتقديم مساعدات إضافية ومتزايدة، للدولة السورية وشريكتها الإستراتيجية طهران، في مسعىً روسي لوضع واشنطن أمام أمر واقع، سيدفعها إلى إعادة قراءتها الإستراتيجية لمجريات الصراع مع أوكرانيا.
أيضاً تزداد المخاوف بشأن المساعدات الإنسانية والأمن الغذائي في المنطقة، ولا سيما في البلدان التي تعاني أصلًا أوضاعًا هشة. فالأعداد المتزايدة من اللاجئين الأوكرانيين والارتفاع المستمر في تكاليف إعادة الإعمار بعد النزاع، يثيران بعض المخاوف من احتمال وقف المساعدات الإنسانية الأساسية إلى الشرق الأوسط، بهدف تحويلها لمعالجة تداعيات النزاع الأوكراني. فسيكون ذلك أشبه بقطع شريان الحياة الأساسي لملايين الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين والسوريين وسواهم ممّن يعيشون في بلدان تشهد نزاعات، وانهيارات اقتصادية كارثية، وحاجات متزايدة على الصعيد الإنساني. وتتفاقم حدّة هذه الأزمة أيضًا بفعل المخاوف الجدّية المتعلقة بالأمن الغذائي، ولا سيما في بلدان مثل لبنان ومصر وسوريا اللذين يعتمدون على روسيا وأوكرانيا للحصول على حاجاتهم من القمح، وأغلب الظن أن هذه الأزمة ستشتد مع الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية ومصادر الطاقة عالميًا. ومع مرور الوقت، قد يدفع ذلك بالمواطنين للخروج مجدّدًا إلى الشارع احتجاجًا على الأوضاع الصعبة.
والسؤال المطروح هو التالي، هل سيدفع ذلك بلدان شرق المتوسط إلى التعجيل في إقرار بعض الاتفاقات بشأن إمدادات الغاز الواعدة، على أمل أن تصبح شريكة أساسية لأوروبا في المستقبل؟.
ثمة أمور كثيرة لم تتضح معالمها بعد في هذا النزاع الذي كشف مساره عن تحوّل طويل الأمد في العلاقات العالمية. فما هي الخطوات التي سيُقدِم عليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المستقبل، إذا شعر بأنه منبوذ ومعزول أكثر على الساحة الدولية، وهل سيحاول استخدام أوراق ضغط مختلفة في المنطقة لتحقيق مبتغاه في أماكن أُخرى؟.
*إعلامي وخبير في شؤون الشرق الأوسط من سوريا





