نعيمة بويغرومني
من قلب الشيلي، ومن أمام عملاق الكرة العالمية الأرجنتين، ارتفع العلم المغربي عاليًا خفاقًا، ليكتب التاريخ صفحةً من ذهب.
في ملعبٍ يهتزّ بصيحات الجماهير، وميزان القوة يميل – على الورق – لخصمٍ يُقام له وزن في كل المحافل، قلب أشبال المغرب المعادلة، وأثبتوا أن الإصرار والإيمان والوطنية تصنع ما تعجز عنه الأرقام والإحصاءات.
هناك، في لحظةٍ حبست أنفاس العالم، نطق المجد باسم المغرب، ورددته جبال الأطلس وسواحل طنجة والقنيطرة والدار البيضاء وأزقة فاس ومراكش والعيون…
لقد كانت الشيلي مسرحًا لانتصارٍ وطنيٍّ باهر، ولحظةٍ انفجر فيها الفرح من صدور المغاربة كما تنفجر ينابيع الأرض بعد طول عطش.
هرمنا من أجل هذه اللحظة…
لحظةٌ تفجّر فيها النور من قلوب الشباب، فامتلأت الساحات والبيوت والمقاهي بنداء واحد: تحيا المملكة المغربية!
عاااااش المغرب!
عاااااش الملك!
هرمنا… هرمنا… هرمنا… لكننا اليوم نولد من جديد مع هذا الجيل الذهبي من شباب الوطن، الذي حمل راية المغرب بكل حبٍّ وإصرار، فكتب بقدميه وعرقه ومواهبه صفحةً خالدةً في سفر المجد، وانتزع من العالم احترامًا لا يُشترى، ومكانةً لا تُمنح إلا لمن يستحقها.
لقد تُوِّج المغرب بكأس العالم للشبان، لكن الحقيقة الأعمق أننا تُوِّجنا بثقافة العمل، وبمنهج الاجتهاد، وبإيمانٍ عميقٍ أن النجاح لا يهبط من السماء بل يُصنع على الأرض، بالعرق والتخطيط والصبر.
وبكلمة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تحوّل الحلم الكروي إلى مشروعٍ وطنيٍّ متكامل.
من رؤيةٍ ملكيةٍ تُعلي من شأن الرياضة، إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي صارت مهد المواهب المغربية، ومصنع النجوم، ومختبر المستقبل الرياضي.
هناك، بين جدران الأكاديمية، تَربّى جيلٌ من اللاعبين على الانضباط والعلم والروح الوطنية، فكانت النتيجة أن وُلد فريقٌ مغربيٌّ بعقيدة الفوز، وبشخصيةٍ عالميةٍ لا تعرف الانكسار.
هذا التتويج لم يكن وليد صدفة، بل ثمرةُ سياسةٍ اشتغلت في العمق، ورؤيةٍ ملكيةٍ جعلت من الرياضة مدرسةً للمواطنة، ومن كرة القدم وسيلةً لغرس الثقة والأمل في نفوس الشباب.
لقد اشتغل المغرب بعقلٍ باردٍ وقلبٍ حارٍّ، ونبضٍ ساخن، فصنع المعجزة بخطى واثقة، ورؤيةٍ بعيدة المدى، وتسييرٍ علميٍّ لا مكان فيه للمجاملات.
لكن…
لو تأملنا المشهد جيدًا، لأدركنا أن هذا النصر أكبر من ملعبٍ وأعمق من لحظة.
إنه درسٌ وطنيٌّ بليغ: حين نُحسن الاختيار، ونصبر على البناء، ونؤمن بالكفاءات، نحصد المعجزات.
فماذا لو اشتغلنا في التعليم بالرؤية نفسها؟
وماذا لو آمنّا بأطرنا في الصحة كما آمنّا بمدربينا؟
وماذا لو منحنا الكفاءات في الاقتصاد والشغل والسياسة الثقة ذاتها التي منحناها في الميدان الكروي؟
كم من كأسٍ يمكن أن نرفعها في ميادين المعرفة والتنمية، كم من درع تشريف كنا سنناله لو جمعنا بين النية الصادقة والعقل المخطط؟
وكم من إنجاز ينتظرنا إذا جعلنا من الاجتهاد قاعدة، ومن الإتقان أسلوب حياة؟
لقد أثبت شباب المغرب أن الوطن لا يشيخ ما دام شبابه يحلمون، وأن من يسير على خطى التخطيط والصبر يصل، ولو بعد حين.
فاليوم، كأس العالم بين أيدينا، وغدًا – بإذن الله – نهضة التعليم، وصحة المواطن، وكرامة العاملة والعامل بين أيدينا أيضًا، إن نحن واصلنا بنفس النفس الطويل والإيمان العميق.
يا شباب المغرب، يا صُنّاع الفرح، أنتم الدليل الحيّ على أن المغرب قادر على معانقة القمم كلما جمع بين الاجتهاد والانضباط والرؤية.
فليُرفع العلم عاليًا، ولتُكتب في التاريخ عبارةٌ خالدة:”المغرب لا ينتظر المعجزات… بل يصنعها في أكاديمية محمد السادس، وفي قلوب أبنائه الصادقين”
فاليوم لا نكتب نهاية قصة، بل بداية عهدٍ جديدٍ من الحلم المغربي الكبير،
حيث يُصبح المجد عادة، والنصر ثقافة، والوطنُ مشروعًا يتجدد في كل ميدان.
فليحفظ الله المغرب، وليدم عليه راية النصر مرفوعةً في كل سماء،
من الشيلي إلى الصحراء… ومن الميدان إلى قلب كل مغربي ومغربية.





