صندوق الإيداع والتدبير في عهد خالد سفير.. أرباح قياسية تخفي جيوب خسارة وحكامة لم تُحسم بعد

إيطاليا تلغراف متابعة

منذ تعيين خاليد سفير مديرا عاما لصندوق الإيداع والتدبير في 13 يوليوز سنة 2022، خلفا لعبد اللطيف زغنون، تحسن الوجه المالي للمجموعة بصورة واضحة، لكن تقييم حصيلته لا يمكن أن يتوقف عند رقم الأرباح، فالمؤسسة ليست شركة تجارية عادية، بل صندوق عمومي يتلقى وجوبا فوائض مؤسسات مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصندوق الادخار الوطني، ويدير عبر القطب المكلف بالاحتياط الاجتماعي أنظمة من بينها الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، لذلك تبقى جودة الاستثمار، واستدامة الأرباح، وحكامة الشركات التابعة، أكثر أهمية من تحقيق نتيجة محاسبية مرتفعة في سنة معينة.

تسلم سفير المجموعة في منتصف سنة انتهت بخسارة صافية موحدة، حيث بلغت حصة المجموعة 2.022 مليار درهم خلال 2022، قبل أن يتحول الصندوق إلى الربح، مسجلا 1.371 مليار درهم سنة 2023، ثم 3.464 مليارات في 2024، قبل أن يبلغ الربح الصافي حصة المجموعة 4.974 مليارات درهم في 2025.

وبالتوازي، ارتفع الناتج البنكي الصافي من 10.254 مليارات درهم في 2023 إلى 13.498 مليارا في 2024، ثم 16.038 مليارا في 2025، كما صعد مجموع الميزانية إلى 432.316 مليار درهم، وارتفعت الأموال الذاتية حصة المجموعة إلى 24.198 مليار درهم.

ومن الزاوية المحاسبية الخالصة، تمثل هذه الأرقام خروجا واضحا من خسارة 2022 وتعزيزا لقدرة المجموعة على امتصاص المخاطر المرتبطة بمحفظتها الواسعة، غير أن مصدر الأرباح يفرض بعض التحفظ، فتقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرافق لمشروع مالية 2026 ربط ارتفاع الناتج البنكي الصافي في 2024، بنسبة 33 في المائة، أساسا بزيادة الأرباح الصافية الناتجة عن الأدوات المالية المقيمة بالقيمة العادلة.

وهذا يعني أن جزءا مهما من التحسن جاء من أداء الأسواق وإعادة تقييم الأصول، وليس حصرا من زيادة المردودية التشغيلية للشركات والمشاريع التابعة. كما تتوقع وزارة المالية أن يتراوح صافي نتيجة المؤسسة الأم خلال 2025-2028 بين 700 مليون ومليار درهم فقط، تبعا لظروف الأسواق المالية واستقرار تكلفة المخاطر.

وتظهر حسابات 2025 مفارقة أخرى، إذ تحقق ربح صاف موحد إجمالي يفوق 5.25 مليارات درهم، في مقابل تدفق نقدي تشغيلي سلبي بنحو 920 مليون درهم، وتدفق استثماري سلبي بقيمة 2.69 مليار، لتنخفض السيولة الصافية بحوالي 867 مليون درهم.

ولا يعني ذلك وجود أزمة سيولة، لأن قراءة التدفقات النقدية داخل مجموعة مالية تختلف عن الشركات الصناعية، لكنه يؤكد أن الربح المحاسبي لا يعادل دائما سيولة متاحة، وأن الحكم على الحصيلة يحتاج إلى تتبع بنية الأرباح وجودتها.

يكشف توزيع نتائج 2025 حسب القطاعات أن الأرباح تظل مركزة في الأنشطة البنكية والمالية، حيث حقق قطاع مؤسسات الائتمان نتيجة صافية تقارب 2.606 مليار درهم، وحقق التأمين وإعادة التأمين نحو 739 مليون درهم، بينما سجل النشاط العقاري نتيجة إيجابية بحوالي 702 مليون درهم.

في المقابل، أنهى قطب الفنادق والمناطق السياحية السنة بخسارة صافية تقارب 44.6 مليون درهم، وبنتيجة تشغيلية سالبة تجاوزت 165 مليون درهم.

كما سجل قطاع التنمية الترابية والبنيات التحتية خسارة صافية تقارب 390.4 مليون درهم، مقابل خسارة بنحو 167.2 مليون درهم سنة 2024، وتضمن هذا القطاع انخفاضا في قيمة فروق الاقتناء بنحو 231 مليون درهم، حيث تظهر هذه المعطيات أن المحركات المالية المربحة لا تزال تغطي تعثرات أنشطة رأسمالية مرتبطة بالسياحة والتهيئة الترابية.

وتقدم مؤونات المؤسسة الأم صورة أكثر دقة عن الإرث المالي المتراكم، فقد بلغت مؤونات مساهمة الصندوق في “مضايف للسياحة” قرابة 3.96 مليارات درهم، ومؤونات “CDG Développement” أكثر من ملياري درهم، بينما خضعت المساهمة المباشرة في الشركة العامة العقارية لمؤونة تقارب 264 مليون درهم.

كما تمت مؤونة كامل قيمة مساهمة الصندوق في البنك الوطني للإنماء الاقتصادي، البالغة 171.4 مليون درهم، في وقت سجلت المؤسسة موضوع التصفية أموالا ذاتية سالبة بحوالي 660 مليون درهم وخسارة سنوية قاربت 14.8 مليون درهم، كما تمت كذلك مؤونة كامل مساهمة الصندوق في “مدينة بيس”، البالغة 170 مليون درهم.

ولا تعني هذه المؤونات بالضرورة أن الخسائر نشأت في عهد خالد سفير، إذ إن قسما كبيرا منها يعود إلى استثمارات ومشاكل متراكمة منذ سنوات، لكنها تؤكد أن الإدارة الجديدة لم تتسلم محفظة سليمة بالكامل، وأن تصفية الأصول المتعثرة وإعادة هيكلة بعضها لا تزالان غير مكتملتين.

في الجهة المقابلة، حقق “CIH Bank” خلال 2025 ربحا صافيا حصة المجموعة قدره 1.089 مليار درهم، بزيادة 24.4 في المائة، بينما سجلت مجموعة “CDG Capital” ربحا موحدا بنحو 327 مليون درهم، مقابل قرابة 160 مليونا في 2024. وتظهر بيانات مساهمات الصندوق نتائج إيجابية لدى “CDG Invest” و”Atlantic Re” و”Finéa”، ما يعكس تفاوتا كبيرا بين الأذرع المالية المربحة وبعض الأنشطة السياحية والترابية المتعثرة.

كان تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الصندوق قد سجل، قبل عهد سفير، غياب قيادة ميزانياتية موحدة للمجموعة، وعدم تجميع المعطيات التقديرية والمنجزة، وتشتت وظيفة مراقبة التدبير، كما أشار إلى أن مهام التفتيش والتدقيق لم تكن تغطي جميع المهن والفروع، بما في ذلك شركات أثار مراقبو حساباتها تنبيهات بشأن استمرارية نشاطها.

وسجل التقرير أيضا غياب منظومة موحدة للمخاطر على مستوى المجموعة، وضعف التقارير المجمعة، ونقص تتبع ممثلي الصندوق في مجالس إدارة الشركات التابعة، وأوصى بتحديث الإطار القانوني للمؤسسة، الذي يعود إلى ظهير سنة 1959، بالنظر إلى اتساع حجم المجموعة وتعدد أنشطتها.

تقول الوثائق المالية الحديثة إن المجموعة اعتمدت سياسة شاملة لتدبير المخاطر، ولجان تدقيق ومخاطر، وتصنيفا داخليا للمساهمات، وآليات لمراقبة الشركات التابعة، كما أعلن الصندوق أواخر 2025 نشر نظام لتدبير مكافحة الفساد وفق معيار “ISO 2025″، وطرح طلب عروض لتدقيق هذا النظام تمهيدا لاعتماده داخل الصندوق وقطب التقاعد، وهذه خطوات مؤسساتية إيجابية، لكنها تظل آليات وإجراءات لا دليلا نهائيا على اختفاء التجاوزات.

واللافت أن الوثائق الصادرة في 2026 لا تزال تعرف الصندوق بوصفه مؤسسة خاضعة لظهير 1959، ما يعني أن التحديث التشريعي الجوهري الذي أوصى به المجلس الأعلى للحسابات لم يكتمل بعد، كما لا يتوافر، ضمن التقارير العمومية المنشورة التي أمكن الاطلاع عليها، افتحاص شامل جديد للمجلس يغطي سنوات إدارة سفير ويقدم مصفوفة دقيقة لمدى تنفيذ التوصيات القديمة.

بلغت استثمارات أنظمة التقاعد المغربية سنة 2023 نحو 317.4 مليار درهم، منها 64.4 مليار درهم تمثل ودائع فرع التقاعد طويل الأمد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لدى صندوق الإيداع والتدبير، وهذا الحجم يوضح حساسية أي قرار استثماري تتخذه المجموعة.

أما النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، الذي تديره مؤسسة تابعة للصندوق، فقد سجل في 2023 عجزا تقنيا قدره 4.379 مليارات درهم، انخفض بفضل العائد المالي إلى عجز إجمالي في حدود 317 مليون درهم. وأكد تقرير الاستقرار المالي أن قيمة المعاشات والمصاريف تتجاوز 140 في المائة من الاشتراكات، وأن النظام يعاني من تسعير غير كاف للحقوق الممنوحة، بما يؤدي إلى تراكم التزامات غير مغطاة.

يرتبط السؤال أساسا بملف مشروع “مدينة باديس” بالحسيمة، فقد أدين المدير العام الأسبق للصندوق أنس الهوير العلمي والمدير السابق للشركة العامة العقارية علي غنام ابتدائيا سنة 2020 بسنة حبسا نافذا، قبل تخفيض العقوبة استئنافيا إلى ستة أشهر في 2022.

غير أن محكمة النقض أبطلت الحكم وأعادت الملف إلى محكمة الاستئناف بفاس بهيئة أخرى، وظلت إعادة المحاكمة جارية ومتأخرة بسبب الغيابات إلى غاية أبريل 2026، وبذلك لا يوجد حتى ذلك التاريخ حكم نهائي بات يمكن تقديمه باعتباره خاتمة قضائية للملف.

والخلاصة أن سفير نجح ماليا في نقل المجموعة من خسارة ثقيلة إلى أرباح قوية وتعزيز الأموال الذاتية، لكنه لم يقدم بعد، عبر افتحاص خارجي شامل ومنشور، دليلا كافيا على تسوية جميع جيوب الخسارة أو تنفيذ كامل توصيات المجلس الأعلى للحسابات، لذلك تبدو حصيلته إيجابية حسابيا، مختلطة قطاعيا، وغير محسومة على مستوى الحكامة، والخلاصة أن لا يملك بعد عناصر مستقلة كافية للإعلان أنه طوى نهائيا صفحة الاختلالات القديمة، أو ما قد يظهر منها في عهد خالد سفير.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...