هذه الفضيحةُ في المغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

محمد أحمد بنّيس
شاعر وكاتب مغربي

 

يعيش الرأي العام المغربي منذ أيام على وقع مقطع فيديو مسرّب، بثّه الصحافي حميد المهداوي على قناته في “يوتيوب”، لاجتماعِ “لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية” التابعة للجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، يُظهر جانباً من نقاش اللجنة بشأن تجريده من بطاقة الصحافة، على خلفية ما ينشره على قناته. تضمّن المقطع عبارات نابية ومنافية للذوق العام، وماسةً بالوضع المهني والاعتباري للصحافيين والمحامين، وتلميحاً إلى الاستقواء بالقضاء وإقحام رئاسة النيابة العامة في تصفية الحسابات مع الصحافيين، في مسٍّ صارخ بسمعة المؤسّسة القضائية ونزاهتها واستقلاليتها.

أعاد المقطع الوضعَ المتردّي للصحافة المغربية إلى الواجهة، وكشف أزمتها المهنية والأخلاقية والقيمية العميقة، في فضيحة غير مسبوقة في تاريخها. فاللجنةُ المعنية انتهت ولايتُها القانونية، وبالتالي، لا تملك صلاحية مباشرة أي متابعة تأديبية أو قضائية بحق الصحافيين، ما يجعل متابعتها المهداوي أمام القضاء مفتقدةً الأساسين القانوني والمهني، على اعتبار أن إحداثها وتخويلها تسييرَ قطاع الصحافة والنشر عامين، جاء بعد انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة (2022) ودخوله حالة من الفراغ المؤسّسي عقب قرار الحكومة عدم إجراء الانتخابات لتجديد أعضائه.

لا تسائل الواقعة فقط ما انزلقت إليه الصحافة المغربية من تردٍّ مهني وأخلاقي، بقدر ما تُسائل أيضا هشاشة بنائها المؤسّسي والقانوني. ما كشف عنه المقطعُ المسرّب يستدعي فتحَ تحقيق وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية، كما يستدعي أيضا فتح نقاش بشأن المعايير المعتمدة في النشر، من أجل حماية خصوصية الأفراد وحقوقهم، بالموازاة مع كشف الحقائق وتقديمها للرأي العام. ويبدو أن المهداوي كان واعياً، في غضون بثه المقطع، بالإشكالات القانونية والحقوقية التي تثيرها الواقعة حين اعتبر ما ورد في المقطع “يتجاوز الطابع الداخلي لجلسة اللجنة”، ويكشف “خروقات تستوجب النقاش العمومي”. من هنا، يغدو السؤال عمّن سرّب المقطع بلا معنى، وإعلانُ اللجنة المؤقتة متابعة المهداوي، بسبب ما اعتبرته “عملاً غير قانوني وتشهيراً بأعضائها”، هروباً إلى الأمام، وفتحاً لباب “الاجتهاد” من أجل تكريس المسّ بمبدأ حماية المبلغين الذي تقره الاتفاقيات الدولية والتشريع المغربي.

واقعةُ المقطع المسرّب فرصةٌ إذن لفتح نقاش عمومي موسّع بشأن قطاع الصحافة والنشر في المغرب، بعد أن أصبح حقلَ سلطةٍ جديداً لإدماج النخب الصحافية الباحثة عن موارد الريع والوجاهة وفرص الترقي الاجتماعي السريع، وحلبةً مفتوحة لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية، لا يختلف في ذلك عن قطاعاتٍ أخرى يُفترض أنها تُنتج سلطة مضادة Contrepouvoir (الأحزاب والنقابات ومنظّمات المجتمع المدني المختلفة…) في مواجهة سلطة الحكومة. لا تتقدّم المجتمعات إلا في وجود صحافة مهنية وحرّة ومستقلة ومسؤولة، ومنخرطة في إثارة الأسئلة والقضايا التي تشغل الناس، بما يعزّز الوعي المجتمعي بأهمية المساءلة والمحاسبة.

أسقط المقطعُ المسرب شرعيةَ القرارات التأديبية التي أصدرتها اللجنة المؤقتة، مع وجود شبهة خرق حقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة والحيادية والاستقلالية. وتحوّلت هذه اللجنة من جهةٍ يُفترض فيها أن تدافع عن حقوق الصحافيين إلى منصةٍ لاتهامهم ومعاقبتهم وقمعهم وإسكات أصواتهم، بشكل يضع مستقبلهم ومستقبل الصحافة المغربية على المحك. ويمكن القول إن تخويل القانون رقم 90.13، القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة (2016)، الأخيرَ سلطةً تأديبيةً كان أول خطوة على درب تحويله من هيئة للتنظيم الذاتي إلى هيئة للرقابة والهيمنة والتحكّم، ولا سيما أن ذلك تزامن مع إخفاق المغرب في التحوّل نحو الديمقراطية للمرّة الثانية في تاريخه. وبدلا من أن يكون المجلس وسيلة لإصلاح قطاع الصحافة والنشر وتأهيله، ولو ضمن الحدود الدنيا، أصبح عبئا مهنيا وأخلاقيا عليه.

على الأرجح، لن يأتي مشروع إعادة تنظيم المجلس المعروضُ على مجلس المستشارين بجديدٍ في إصلاح قطاع الصحافة والنشر، فالمقطع المسرّب أفرز وقائعَ تجعل المشروع متجاوَزاً. فالارتجاج الذي أحدثه داخل الرأي العام بات يقتضي سحبَ المشروع، وحلّ المجلس الوطني للصحافة بمختلف هياكله؛ فما قبل المقطع ليس كما بعده.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...