معركة القفطان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم:  عزيز لعويسي

 

بعد هزيمتها الدبلوماسية المدوية في ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية الغربية، في ضوء القرار الأممي غير المسبوق الذي انتصر لسيادة المغرب على صحرائــــه، هزيمة ثانية مذلة بطعم الثقافة والتراث، حصدتها الجارة الشرقية، عقب مصادقة اللجنة الحكومية لصون التراث غير المادي التابعة لمنظمة اليونسكو  في اجتماعها المنعقد بالهند – الأربعاء 10 دجنبر 2025- على ملف تقدمت به المملكة المغربية، لتسجيل القفطان المغربي  تراثا عالميا لليونسكو، وبهذا الاعتراف الدولي، تم الانتصار للهوية المغربية لقفطان مغربي يشهد التاريخ، وتشهد معه، جغرافية المدن العتيقة بمدن مثل فاس ومكناس والرباط سلا وتطوان ومراكش، على أصالته المغربية الخالصة، وهويته الحضارية الضاربة في القدم، وتم بالمقابل، القطع بشكل لا رجعة فيه، مع المناورات الجزائرية، التي طالما حاولت بكل السبل البئيسة الترامي، على إرث تراثي مغربي خالص، يعد ملكا مشتركا للمغاربة قاطبة، ومرآة عاكسة لحضارة عريقة وثقافة ممتدة عبر الأجيال، معبرة عن الخصوصية الثقافية المغربية وتفردها؛

انتصار دبلوماسي ثقافي تراثي، ما كان له أن يتحقق لولا العناية الملكية السامية بالمسألة التراثية الوطنية، باعتبارها قوة دافعة نحو تحصين الهوية المغربية  بروافدها المتعددة الزوايـــا، ورافعة لكسب رهانات التنمية المستدامة، وما كان له أن يتجلى، لولا  حرص المغاربة قاطبة على القفطان المغربي عبر القرون وتطويره، والسهر على نقل عناصره الفنية والإبداعية والجمالية عبر الأجيال المتعاقبة، في سياق عالمي، باتت فيه الخصوصيات الوطنية والمحلية، محل تهديد مستدام بسبب العولمة وتياراتها الجارفة، وبين هذا وذاك، لولا  ما شهده المشهد الثقافي والتراثي من تحولات ومتغيرات خلال العقدين الأخيرين، على المستويات التشريعية والمؤسساتية والتنظيمية والتدبيرية والأكاديمية …

وفي هذا الإطار، وبقدر ما نثمن ما حققته الدبلوماسية الثقافية الوطنية في ملف القفطان المغربي، وننــــوه بكل الأطر والخبرات التراثية، التي صنعت هذا النصر الثقافي والهوياتي غير المسبوق، بقدر ما نرى أن التحديات التراثية كبيرة، والمخاطر المهددة للإرث الثقافي والتراثي الوطني لازالت قائمة، وهذا يفــرض ليس فقط، تملك كفايات الانضباط والاحتراز واليقظة والجاهزية والاستعداد من قبل الساهرين على تدبير الشأن الثقافي الوطني، بل يفرض علاوة على ذلك، توحيد السياسات العمومية  في مجال التراث، ومد جسور التواصل والتنسيق والتعاون بين المؤسسات الوطنية الفاعلة في حقل التراث، بما يدفع في اتجاه بلورة استراتيجية تراثية وطنية ذات أبعاد قانونية ومؤسساتية وتنظيمية وتعليمية وأكاديمية، قادرة على حماية الإرث التراثي الوطني وحسن تدبيره وتثمينه، ليكــــــون في صلب المسيرة التنموية والإصلاحية التي يقودها عاهل البـــلاد، وتلك المرآة العاكسة لمغرب التراث ومغرب الحداثة؛

ما تحقق من فتح تراثي مبين، لا يمكن البتة، أن يحجب عن الأنظار، ما يعيشه التراث المادي من مظاهر التهميش والإقصاء والموت الصامت، كما حدث ويحدث بالنسبة للكثير من المباني التاريخية عبر التراب الوطني كالأسوار  والقصور والأبراج والمدارس، كما هو الشأن على سبيل المثال لا الحصر، بالنسبة لمدرسة الأمراء بالشماعية بإقليم اليوسفية، التي كانت ذات يوم، فضاء تربويا لتعليم وتكوين الأمراء العلويين، لكنها اليـــوم، تعيش مرحلة احتضار مؤسف، أمام مرأى ومسمع صانعي القرار ، وهذه الصورة المأسوف عليها، ما هي إلا صورة في ألبوم تراثي تتقاطع فيــــــه مشاهد الإجرام الصامت، في حق التاريخ والهوية والذاكـرة الجمعية؛

وعليه، لايمكن البتة، أن يكـــــون نجاح القفطان المغربي، لحظة للافتخار والاعتزاز، بل ومناسبــة ثقافية وتراثية، لتشخيص واقع التراث الوطني، وتأمل ما يواجهه من تحديات ومخاطر، نتيجة تواضع ثقافة التـــراث، وضعف مؤشرات الوعي بقيمته التاريخية والهوياتية  والتنموية والاستراتيجية، في أوساط الكثير من المسؤولين، واليوم، لابد من استثمار  بهاء القفطان المغربي على الساحة الدولية، لمنح الفعل التراث الوطني، ما يستحقه من احترام تقدير وإنصاف والتزام، ومن ربط للمسؤولية بالمحاسبة، لأن مجرم اليوم، ليس فقط من يسرق حقيبة يدوية، أو يهدد المارة في الشارع العام، أو يختلس المال العام، أو يعيث فسادا وعبثا في السياسة، بل هو أيضـــا، كل من يجرم في حق التراث بكل تعبيراته، بالتقصير أو الإهمال أو الإقصاء أو التعريض للخطر؛

ونختم بتوجيه نداء إلى السلطات الوصية على الثقافة والتراث، وكل الفاعلين في القطاع، من أجل التفكير المشترك، بشـأن جعل تاريخ 10 دجنبر من كل سنــــة، عيدا أو يوما وطنيا للقفطــــان المغربي، على غــرار اليوم الوطني للأرشيف، يكون موعدا سنويا، للاعتراف بهذا التراث المغربي الإنساني، ونشر ثقافة الأرشيف، وتعزيز الوعي الجمعي بقيمته التراثية والحداثية والتنموية والاستراتيجية.  مع ضرورة التذكير، أن معركة اليوم، هي معركة إنقاد واعتبار  وجرد وتدبير  وتحصين وتثمين وحكامة، ومعركة نشر ثقافة التراث في أوساط الأجيال الصاعدة من التلاميذ والطلبة، ومعركة ربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن المساس بالتراث بأي شكل من الأشكال، هو جريمة جسيمة في حق وطن بأكمله وتاريخ أمة برمتها، تقتضي العقاب بل وأشد العقاب.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...