كمال المصري
كاتب وباحث
ليس ما جرى في فلسطين مجرد صراع سياسي، ولا نتيجة فشل دبلوماسي عابر. ما نراه اليوم هو نتاج فكرة دينية–سياسية عميقة تشكّلت في الغرب الحديث، ترى التاريخ مسارًا للخلاص، وتحوّل الأرض إلى مسرح نبوءات، والإنسان إلى تفصيل يمكن تجاوزه.
لفهم الانحياز الغربي لإسرائيل، لا يكفي الحديث عن المصالح أو اللوبيات. لا بد من التوقف عند الصهيونية المسيحية، التي لعبت — ولا تزال — دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي الغربي تجاه فلسطين. هذا التيار لا يرى في فلسطين أرضًا يعيش عليها شعب له حقوق، بل محطة ضرورية في “الخطة الإلهية” لعودة المسيح.
هنا تحديدًا تبدأ الكارثة.
في هذا الفكر، لا يُقاس الحدث بميزان العدالة، بل بمدى انسجامه مع النبوءة. الاحتلال يصبح تحقيقًا للوعد، والمعاناة الإنسانية تتحول إلى ثمن مؤقت، والأخلاق تُعلَّق بانتظار النهاية الكبرى. حين يُقدَّس التاريخ، يصبح الإنسان قابلًا للتضحية.
هذا المنطق لم يظهر في فلسطين فقط. هو نفسه الذي برّر الاستعمار الأوروبي تحت مسميات “الرسالة الحضارية” و“نشر القيم”. الأرض وُصفت كفراغ، وشعوبها كعائق. ومن هنا خرج الشعار الشهير: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض — وهو شعار لاهوتي بقدر ما هو سياسي.
في الصهيونية المسيحية، لا مكان للفلسطيني في الرواية. وجوده يربك القصة، وصموده يؤخّر النهاية. لذلك يُمحى من الخطاب، أو يُختزل في صورة تهديد أمني. ليس لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الإنسان لا وزن له داخل سردية الخلاص.
في المقابل، يقدّم الفكر الإسلامي تصورًا مختلفًا جذريًا. لا تاريخ مقدسًا يسير حتميًا نحو نهاية تبرّر الظلم، ولا شعبًا مختارًا فوق المحاسبة. الأرض أمانة، لا وعدًا حصريًا، والعدل شرط سابق على أي ادعاء ديني. فلسطين ليست علامة آخر الزمان، بل أرضًا مقدسة يسكنها بشر، واغتصابها ظلم لا يُبرَّر بنبوءة.
أزمة الغرب اليوم ليست سياسية فقط، بل أخلاقية. حين يُستخدم الدين لتبرير الاستعمار، والتاريخ لإلغاء الإنسان، تفقد القيم الكبرى — حقوق الإنسان، القانون الدولي، العدالة — معناها الحقيقي.
فلسطين لم تعد اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، بل مرآة للفكر الذي حكم العالم لعقود.
لن تُحل هذه القضية ما دام العالم ينظر إليها من زاوية النبوءة لا العدالة، ومن منطق الخلاص لا الإنسان. فالتحرر يبدأ حين تُفكَّك الأفكار التي جعلت الاحتلال “وعدًا”، والظلم “قدرًا”، والإنسان تفصيلًا زائدًا.





