بقلم وليد سرنان
آسفي المغرب
قلمي جفّ،
لا لأن الحبر خانني،
بل لأن الوجع سبق اللغة،
وأثقل اليد بما لا يُكتب.
الكلمات لا تطاوعني،
عجزتُ عن الكتابة
حين صارت الشوارع بكاءً مفتوحا،
حين صار البيت سؤالًا
بلا إجابة.
تراجعت الكلمات خطوةً إلى الوراء،
خجلت أن تصف
مدينةً غسلها الفيضان،
ولم يغسل عنها الألم
ولا الإهمال.
الحقيقة ماتت غرقًا،
في مدينةٍ تأخّر عنها الإنقاذ.
الأمهات يجمعن أبناءهنّ من بين رعشة الماء،
كأنهنّ ينتشلن القلب من الغرق.
ضحايا الفيضان،
ستبقى أسماؤكم محفورة،
ليس على حجر القبور وحده،
بل في جدران الأزقة،
وفي أنفاس المدينة،
وفي ارتجاف القلوب التي لم تهدأ منذ الفاجعة.
وداعا يا غزلان،
وداعا يابائعة الفخار…
مازلتُ أتذكر كلماتك،
رحلتِ غرقا…
لكن الماء لم يكن وحده السبب.
وداعًا أيها الراحلون…
أرواحكم تئن في صمت المدينة،
والأمل غرق معكم.
المدينة العتيقة لا تبكي،
تنزف… تنزف بصمت فادح.
أطفال تعلّموا الخوف
قبل الحروف،
والوجع أقدم من الجدران.
فما السبب؟
غرق التجار، وغرق معهم كل حلم وأمل.
أبناؤهم كانت تنتظرهم،
وعائلاتهم
تنتظر لمسة، كلمة، ابتسامة…
لكن الماء سلب كل شيء:
سلب الماضي،
سلب الحاضر،
وحتى المستقبل.
ترك الانتظار صامتًا،
والعيون شاخصة نحو الفراغ،
والقلوب تهوي بلا سند.
هنا لا يُطلب التضامن،
هنا يُستنجد به.
التضامن ضرورة،
لننقذ ما تبقّى
بما تبقّى فينا من إنسانية.
آسفي لا تحتاج الكلمات،
تحتاج أن تُرى،
أن يُحتضن ألمها،
وتستحق أن تُقال الحقيقة كاملة:
آسفي منكوبة…
وإعلانها مدينة منكوبة
أوّل اعتراف بالألم،
لأن الوجع تجاوز الاحتمال.
أين مسؤولوكِ يا آسفي؟
لم نراهم…
لم نجدهم…
اللامبالاة تراكمت،
والإهمال لم يكن صدفة،
كان صمتًا طويلًا
ينتظر أول غضبة ماء
ليعلن الخراب.
قبور شهداء الفاجعة
ليست نهاية،
بل شهادة…
تقرأها المدينة كل صباح
ولا تجيب.
مدينتي،
يا حجرا تعلّم الصبر قسرا،
يا بحرًا كان وعدًا
فصار شاهدًا.
كيف أكتبكِ
وأنتِ تنزفين في الصمت؟
كيف أختصر وجعكِ
في جملةٍ
والوجع أكبر من اللغة؟
سأصمت…
فبعض الوجع لا يُقال،
وبعض ما وقع
أثقل من الحروف.
لكن القلب ما زال يكتبكِ
نبضا،
ودعاءً،
وشهادةً لا تموت.
لكِ الله يا مدينتي…
لكِ الله يا آسفي.





