هل يسبق الموت الخوارزمية؟ قراءة نقدية في ” وهم الخلود ” عند لورون ألكسندر

 

 

 

 

بقلم: نبيل التويول
إيطاليا تلغراف

 

 

في الوقت الذي يعد فيه الطبيب والمفكر الفرنسي لوران ألكسندر، في كتابه «ChatGPT va nous rendre immortels»، بإنسان أطول عمرا وأكثر ذكاء بفضل الخوارزميات، تقف القارّة العجوز على عتبة مرحلة تاريخية مغايرة تماما: مرحلة تعاد فيها كتابة الجغرافيا السياسية بلغة الحرب، لا بلغة المختبرات.
وهنا تحديدا يكمن التناقض العميق الذي لم ينتبه إليه الكتاب، أو تجاهله عن قصد.

و يقدّم ألكسندر الذكاء الاصطناعي باعتباره القوة العليا القادمة، القادرة على هزيمة المرض، إعادة هندسة الجسد، وربما تأجيل الموت. غير أن هذا الخطاب، مهما بدا علميا، منفصل بشكل خطير عن السياق الجيوسياسي الأوروبي الراهن: قارة تعيد تسليح نفسها، تضاعف ميزانيات الدفاع، وتتهيأ نفسيا واقتصاديا لاحتمال حرب عالمية ثالثة، أو على الأقل صراع طويل المدى يغيّر وجه النظام الدولي.

السؤال الذي يتجاهله الكتاب هو التالي:
ما قيمة “الخلود الطبّي” في عالم يستعيد منطق الفناء الجماعي؟

الذكاء الاصطناعي، في السياق الأوروبي الحالي، لم يعد مشروعا صحيا أو إنسانيا بالدرجة الأولى، بل أصبح أداة سيادية وعسكرية. الخوارزميات التي يتغنّى بها ألكسندر في تشخيص السرطان، هي نفسها التي تستخدم اليوم في:

أنظمة الاستهداف الذكي

الطائرات المسيّرة القاتلة

الحرب السيبرانية

التجسس..

هنا يتحوّل الذكاء الاصطناعي من وعد بالحياة إلى إدارة صناعية للموت. وهذه المفارقة لا تجد لها مكانا حقيقيا في الكتاب.

الأخطر من ذلك، أن أطروحة “الخلود” تفترض استقرارا سياسيا، وتراكما اقتصاديا، وسلاما طويل الأمد. وهي شروط لم تعد متوفرة في أوروبا. فالقارة التي تعجز عن حماية أمنها الطاقي، وتفشل في بناء سياسة دفاعية موحدة، وتعيش انقساما داخليا بين شرق خائف وغرب متردّد، لا تملك ترف التفكير في إطالة عمر الإنسان، بقدر ما تنشغل بسؤال أبسط وأكثر فداحة: كيف نحافظ على بقائنا؟

ثم إن ألكسندر، وهو يحذّر من تخلّف أوروبا عن سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين والولايات المتحدة، يقع في مفارقة أخرى:
فهو يدعو إلى ثورة تقنية، دون أن يتساءل بجدية عمّن سيتحكم فيها في زمن الطوارئ.
التكنولوجيا في زمن الحرب لا تخضع للأطباء ولا للفلاسفة، بل للجنرالات ومجمّعات السلاح.

أما أخلاقيا، فإن الكتاب يقدّم تصورا نخبويا للعالم:
ذكاء اصطناعي يطيل عمر من يملك المال والدولة القوية، بينما تترك هوامش أوروبا، والمهاجرون، ودول الجنوب، وقودا لصراعات لا علاقة لهم بها. وهكذا، بدل أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة تحرّر إنساني، يتحوّل إلى حدّ فاصل جديد بين من يستحق الحياة ومن يستهلك في الحروب.

إن المأزق الحقيقي الذي لم ينتبه إليه لوران ألكسندر ليس تقنيا، بل حضاري:
لا يمكن بيع حلم الخلود في قارة تعيد اكتشاف هشاشتها الوجودية.
ولا يمكن فصل مستقبل الذكاء الاصطناعي عن مستقبل الحرب، ولا مستقبل الطب عن مستقبل السياسة.

في لحظة تاريخية كهذه، يصبح السؤال الحقيقي ليس:
هل سيجعلنا ChatGPT خالدين؟
بل:
هل سنبقى أحياء بما يكفي لنطرح هذا السؤال أصلا؟

هذه المادّة الصحافية ليست رفضا للعلم، ولا عداء للتكنولوجيا، بل دعوة لإعادة ربط التفكير التقني بالواقع الجيوسياسي القاسي. فالتاريخ لا يكتب بالخوارزميات وحدها، بل بالصراعات، والمصالح، والدم أيضا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...