عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
تعيش العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ عقود، في ظل تصعيد سياسي وإعلامي غير مسبوق، بلغ ذروته مع تداول أنباء متضاربة حول مصير الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وما إذا كانت واشنطن قد انتقلت من سياسة الضغط والعقوبات إلى منطق الحسم المباشر.
بعيدًا عن العناوين الصاخبة، فإن ما يجري اليوم بين واشنطن وكراكاس لا يمكن اختزاله في خبر أو واقعة معزولة، بل هو نتاج مسار طويل من الصراع المركّب، تتداخل فيه اعتبارات الجغرافيا السياسية، والطاقة، والهيمنة الإقليمية، وإعادة رسم النفوذ في أمريكا اللاتينية.
منذ سنوات، لم تعد المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة محصورة في شخص نيكولاس مادورو، بقدر ما تتعلق بنموذج سياسي واقتصادي ترى فيه واشنطن تحديًا مباشرًا لنفوذها التقليدي في القارة. فنزويلا، بما تملكه من احتياطي نفطي هائل وموقع استراتيجي، ظلت تمثل عقدة جيوسياسية صعبة، خاصة مع انفتاحها على قوى دولية منافسة للولايات المتحدة.
من هذا المنطلق، فإن أي حديث عن “إزاحة” أو “تحييد” القيادة الفنزويلية يندرج ضمن رؤية أوسع، هدفها إعادة ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد، بما ينسجم مع توازنات جديدة تخدم المصالح الأميركية وحلفاءها.
ما يثير القلق في هذا السياق ليس فقط طبيعة الصراع، بل الأسلوب الذي بات يُلوّح به في الخطاب السياسي الأميركي. فالتعامل مع دولة ذات سيادة بمنطق العمليات الاستثنائية، خارج الأطر الدولية التقليدية، يفتح بابًا خطيرًا في العلاقات الدولية، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القانون الدولي وحدود استخدام القوة.
حتى في حال ثبوت أي إجراء استثنائي ضد القيادة الفنزويلية، فإن التداعيات لن تكون داخلية فقط، بل ستنعكس على مجمل النظام الإقليمي في أمريكا اللاتينية، حيث تخشى عدة دول من أن يتحول هذا النهج إلى سابقة قابلة للتكرار.
داخليًا، تعيش فنزويلا حالة إنهاك عميقة، بفعل سنوات من العقوبات والأزمة الاقتصادية والاستقطاب السياسي الحاد. وأي تطور مفاجئ على مستوى القيادة، سواء كان حقيقيًا أو مجرد ضغط سياسي وإعلامي، قد يفتح البلاد على مرحلة غموض خطيرة، تتراوح بين احتمال الانفراج السياسي، أو الانزلاق نحو فوضى مؤسساتية يصعب التحكم في مآلاتها.
ولا يمكن فصل الأزمة الفنزويلية عن طبيعة النظام الحاكم وسياساته الخارجية، إذ تُتهم كراكاس منذ سنوات بدعم مجموعات مسلحة ومرتزقة في بعض مناطق التوتر، خاصة في دول غنية بالثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط. هذا السلوك الخارجي، الذي يُبرَّر غالبًا بخطاب أيديولوجي أو “مناهض للإمبريالية”، يتناقض بشكل صارخ مع الواقع الداخلي لفنزويلا، حيث يعيش جزء كبير من الشعب في فقر مدقع، وسط انهيار الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الهجرة. وهو مشهد يعيد إلى الأذهان نماذج أنظمة سلطوية أخرى، تُدار بعقلية عسكرية أو أمنية، تُراكم النفوذ خارج الحدود، بينما تعجز عن توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لمواطنيها.
اختبار لقدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها خارج حدودها دون كلفة سياسية وأخلاقية عالية،
واختبار للمجتمع الدولي، الذي يجد نفسه مرة أخرى أمام سؤال قديم جديد: هل ما زال القانون الدولي قادرًا على ضبط سلوك القوى الكبرى، أم أنه بات مجرد مرجع انتقائي؟
سواء ثبتت الوقائع أو بقيت في دائرة التلويح والضغط، فإن المؤكد هو أن العلاقة بين واشنطن وكراكاس دخلت مرحلة جديدة، أكثر حدة وأقل قابلية للتسويات التقليدية. مرحلة تُدار فيها المعارك ليس فقط بالسلاح أو العقوبات، بل أيضًا بالرسائل، والرمزية، وكسر الخطوط الحمراء.
وفي عالم يتغير بسرعة، تبقى فنزويلا ساحة مفتوحة لصراع أكبر منها، صراع على النفوذ، وعلى تعريف من يملك حق التدخل، ومن يُجبر على دفع الثمن.





