الحسام محيي الدين
ضلّ سعيُ العاشقَين على حوافّ المدينة وخلف بيوتها ، وما لقاءُ القدر إلا مُربكٌ جميل ، لكنه غالباً مأساة ، تراجيديا رجل وامرأة ضمّتهما صدفة غاية في النقاء والعفوية ، وترجمت حاجة كل منهما لِندِّه ، ولأهمية اللقاء لم يكن مهماً أن نعلم الأسماء من معانيها ونفتّق الأشياء عن أصولها ، بل ما يُستفاد من مثالَين للحبّ في المدينة الغريبة الكسيرة الجناح ، المدينة التي لم يسمّها العرض أيضا ، إنما دلّل عليها بكل تقلباته من بداية وتصعُّد إلى ذروة فنهاية ، فكانت تلك بيروت التي تغتسل بالحزن والمعاناة من وقت لآخر ، لا واحةً واحدة للمعيش كما نحلم دائما ، بل نثاراً من الايديولوجيات والطوائف المتناحرة ، حتّمت نسف فكرة الوطن الموحَّد المُشرق النظيف من الغبار والركام والحجارة والدمار ، لكنها تبقى بيروت ، في جذور الوجدان والذاكرة ، ولو غادرتها مئة عام ثم عدت إليها تجدها هي نفسها . نحن في مسرح المدينة ، أمام عرض بتوقيع لينا عسيران ، ونصّ حسن مخزوم ، اللذَين تعاونا سابقاً في أكثر من محطة مسرحية ، لكنهما اليوم ضفّرا جهودهما بأداء روى حسامي ، وميران ملاعب ، وبسينوغرافيا مغايرة من مؤثرات بصرية وسمعية ومفردات منظور ديكورالي يسبر علاقة الانسان ( الممثل والمتفرج ) بالفضاء المسرحي ، نظمها شكري سويدي لتعميق مفهوم المسرحة بما يناسب أفق التلقي ، وتكاملت في توليفها ، في أكثر من مشهد ، مع غناء وموسيقى زياد الأحمدية . الأحمدية ، الذي نتوقف عنده وبكل موضوعية وصدق ، لنقول أنه شكل قيمة نوعية ، حانياً على عوده بصوت رخيم عذب وسهل وقويّ معا ، صوته كان رائقا ، سليل طبقات متعددة ، متراكما متراكبا كطبقات صخرة ملساء تتفجر بماءٍ صافٍ للوُرّاد ، غازياً للجمهور ، بكائياً مازجاً بين قسوة ما نحياه خارج الصالة ورجاء ما نتلقاه داخلها ، ولا أخفي بل أعترف ، أنني أنا العبد الفقير لله ، فوجئت بهذا الرجل الموهوب الذي كشف واكتشفنا معه أنّ ثقافة اللعب بالصوت أهم من الصوت نفسه ، لا سيما وهو يروي عليه بين منظومتَي الشعر والنثر ما نعده قناة اتصال تفسّر حياة ومواقف الحبيبين العاشقين في بيروت .على لسان الأحمدية ، لعبت عسيران لعبة محاكاة الفعل بالرواية عنه ، ولعبة محاكاة الفعل بالفعل على لسان الشخصيتين ( حسامي وملاعب ) نفسيهما ، على مستويي عرض الحدث هنا / الآن ، أو استرجاعه كماضٍ عن طريق روايته حاضرا ، ما دلّل على البنية العميقة للنص وهي تتعامد مع تصور إخراجي عملي نجحت في تنسيب الحكاية لمرجعيتها ، نحن وبيروت المدينة ، وتغلغلت في سِماتنا وقسماتنا لتعيد رسمها من جديد في مناخ التمسرح من أجل إنسان آخر أرادته على لسانَي روى وميران : هي وحيدة لم تنصفها الحياة ، سجينة بيتها الصغير تفصلها هوة عميقة عن مجتمعها ، وهو متقلب محتار يبدو قويا لكنه ضعيف في حقيقة الأمر ، يبحث عن مستقبلٍ ما ، ظنّ أنه ملاقيه في أحضانها ، كلاهما انطلق من الكثافة النفسية الانسانية ، لكنهما لم يستطيعا الحفاظ عليها طويلا ، إذ كان يجب أن تتخلخل الشخصيات كعنصر بُنيوي يمكن تفكيكه ، وأن تتطوّر بالانزلاق إلى الخداع ، أن نعيش الوهم لا الحياة ، على طريقة الايطالي العظيم بيرانديللو ، لكنه وهم جميل ، ضفّرته كوريغرافيا لينا عسيران نفسها على مستويات فانتازية راقصة أجادها الاثنان ، حيناً مجنونة حتى ذروة النشوة ، وأحياناً ساكنة ذابلة إلى درجة القسوة والبرودة ، لكنها في الحالتين برّزت صراعاً مع الذات وآخر مع العالم ، وكأعمق ما يكون الكوريغراف قارئاً للعرض من منظور رؤيوي مشتبك مع النص والاخراج ، ضمن مفهوم ارتبط بالزمن ولامس أبعاده توازياً مع المكان / المدينة ، حيث منع الالتباس بين زمن امتداد العرض وزمن امتداد الفعل الدرامي ، ما أظهر أنه لا حاجة لإرجاع حكاية العرض إلى حقبة تاريخية محددة ، فهو لكل زمان ، وفي مكان واحد هو بيروت ، فلا غرو إذن ، أن الرقص والتعبير الجسدي جمع علامات الايقاع ، إيقاع النص والعرض ، إيقاع الحركة والكلمة على خشبة حضارية تستشرف مكوناً فكرياً وفنياً لمسرحٍ يتوسل المستقبل . في مثل هذا الوعي المسرحي ، جمعت عسيران بين الأمكنة المقتطعة من فضاء الواقع ، وبين تلك المُتخيّلة على الخشبة ، حيث لا يمكن التمييز بينها ذهنيا ، ما تطلب من المتفرج التيقظ الدائم ، ومشاركة صانعي العرض في بنائه من بدايته حتى نقطة الوصول ، بالربط بين ماضي الشخصيتين الذي تمفصل غير مرة إلى موقفٍ أو حوار أو حدث كلما استعادا من ذاكراتيهما ما يتصادف وسياق الحوارات . يفتح هذا العرض باب التحولات عن طبيعة رؤيتنا للمسرح اللبناني ، لصانعه الذي يزجي قصة وحبكة من علاقات معاصرة مباشرة وجدية ، حادة التساؤلات عن معاني الوجود ، عن شرنقات من مشاعر وليدة ، نظنها خفيفة الألم لكنها قاسية الأثر والرؤى ، تستشكل الدال والمدلول والرمز والسيمياء ، التساؤلات التي لا تنتهي بين صدفة من لقاء ، وحب وخيبة وهزائم محفورة على جدران مدينتنا التي تصدعت بانفجار من تحت أو قصف من فوق ، آلام أزقتها القديمة وآمال الجديدة ، والذاكرة الداكنة من وعي ولاوعي تربط على قلوبنا قلق الإجابات بالسؤال على السؤال : من نحن يا بيروت ؟ إنها قصة حب خائبة ، عاشت وماتت قبل أن يفترق الحبيبان على باب منزل روى ، لكنها تفتح شهية الكتابة على عرض مضيء ، مغاير ومؤثر ، متماسك لغة وروحا ومعنى ، محترف لا يضل الطريق إلى القلوب ، نافذ إلى مواقف وتفاصيل جميلة ومتوحشة معا ، عن ” حب في شبه مدينة ” ، لكنه شبه حب أيضا ، لم يدع له القدر أن يكتمل ولو بإعلامنا عن اسمي الحبيبين ، ففي كل مرة يريدان ذلك تنفلت الذاكرة على أمر جلل يعلن ديمومة المأساة وحجم المعاناة ، حتى آخر كلمتين على لسان روى : ” اسمي هو … ” سكتت بعدهما لينسدل الستار على حب ، بالأمس كان احتمالا واليوم صار مستحيلا .






