البير كامو … اليأس المبتهج والأمل البئيس

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. السهلي بلقاسم

” يؤلمني أن أقول هذه الأشياء، ولكن من المؤلم أيضا أن أصمت …”

في البداية كان هنالك الصمت… أو ربما كانت البداية كلمة…

الصمت ليس مجرد سلبي، بالرغم من كونه غياب للكلام، أو ما نسمعه عندما يتوقف الأخرون عن الكلام أو تتوقف الآلات عن الضجيج، وتتوقف أجهزة الراديو والشاشات عن إصدار الضوضاء …. بل بالعكس إنه موجود بمعزل عن اللغة والضوضاء، إنه عالم كامل في حد ذاته. للصمت عظمته لا لشيء إلا لأنه كذلك… لقد كانت صمت والدتي * الحيواني، يجعلني أرغب في البكاء من شدة الألم… إنه الحب الذي يتماشى مع هذا الصمت..
ويمثل الصمت عند كامو الغياب الذي نواجهه عندما نجهد أداننا ولا تسمع شيئا، فهو بالأحرى قوة إيجابية فالصمت الرائع للأم، أقدم من البشرية جمعاء، وربما أقدم من العالم نفسه. لأن قوة الصمت تقع خارج كل التوقعات البشرية …فالمناظر الطبيعية هي مراحل صامتة، والصحاري والجبال والهضاب والسواحل تؤكد الصمت الذي كان سائدا قبل مجيء الإنسان. كما لا يعكس الصمت من وجهة نظر كامو نوعا من الرهبة اللاإنسانية فقط بل يمثل جزأ مساهما لشكل الظلم الإنساني.
إن العالم المليء بالصمت والعزلة هو مصدر الحقيقة. إن الصمت يسبق اللغة، يمكن للصمت أن يوجد بدون كلام، ولكن لا يمكن للكلام أن يوجد بدون صمت. ونميل اليوم لاعتبار الصمت بمثابة انقطاع للضجيج ولكن بمجرد أن تتعافى من تأثيرات الصوت ندرك أن الوظيفة الأساسية للصمت هي نوع الجهر المستمر لمأساة حياتنا.
يقول ” نينشه ” **الكاتب الأقرب إلى المرجعيات الفلسفة ل” كامو” لم يكن سقراط أحكم ثرثار في العالم القديم فقط، بل كان أحكم الناس صمتا بالقدر نفسه، فقد كانا يعتقدا، إن المظاهر المنفردة لوضعنا البشري ينبغي أن تواجه بالصمت. لكن حين يسهم الصمت أو حيل اختفاء وارتباك اللغة في الإبقاء على الاستغلال، هنا يجب أن يدرك الصمت تعاسته الكبرى..
وفي ظل هذا الصمت المدوي كانت روح العصر قد انحدرت إلى براثين اليأس والدمار. وفي السنوات الاي تلت الحرب ذلك عاش ” كامو ” في عدميته في عنف وصمت صاخب.
وأصبح ” كامو ” يمثل ضمير عصره في نظر العدميين في انحاء أوروبا، لتنويره مشكلات الضمير في عصرنا الحاضر. حيث كتب السير “هربرت ريد ” *** “بنشر كتاب “المتمرد” بدأت تنزاح سحابة أثقلت كاهل العقل الأوربي لأكثر من قرن … ” فقد كان “كامو” ينتمي إلى الجيل الذي نشاء على دقات طبول الحرب العالمية الأولى 1914م. الجيل الذي لم يكن تاريخه سوى قتل وظلم و عنف، ووجد “كامو ” نفسه في منتصف الطريق بين الشقاء والشمس.
الجمال..
لقد وصف “كامو” مازق الفنان بأنه، عالق بين الجمال الذي لا يستطيع الابتعاد عنه، والمجتمع الذي لا يستطيع انتزاع نفسه منه. بمعنى أخر، أن اهتمام الفنان لا يجب أن ينصب على مظالم العالم ومساوئه فحسب، يل يجب على الفنان أن يهتم أيضا بجمال العالم
كان أكثر ما أثار اعجاب “كامو” أسلوب “نينشه “الساخر والمتقلب، بالإضافة إلى وضوحه الشديد حول عالم لم يعد يدعم الخيالات الميتافيزيقية التي أثقلت كاهن الكائن البشري. فقد أثنى ” كامو ” في عمله الشهير “اسطورة سيزيف على” نينشه” لأنه أزال كل أمل في المستقبل من خلال أعماله الساخرة عن الحياة العبثية. ويبدوا أن ” نينشه “هو الفنان الوحيد في رأي كامو الذي توصل إلى النتيجة القصوى لجماليات العبث، إذ تمكنت رسائله الأخيرة من التركيز على الوضوح والعقم والقهر والنفي العنيد، لأي عزاء ميتافيزيقي، حسب “نينشه” الذي صور نفسه راهبا لأنواع العدمية المزدهرة في كوننا الخيالي.
لقد حول “كامو ” في ظل الحرية التي ترعرع فيها، أن يميز بين الوضوح والجدية، في تسليط الضوء على مشاكل الضمير البشري المعاصر … وفي نفس الوقت لم يستطيع أن يرفض النور الذي تقدمه الحقيقة …وشكلت أمواج المحيط هدير صاخب، عبر كتابات “كامو” في مواضيع الجمال والسعادة التي وجدها في الطبيعة ” لقد اكتشفت هنا الجمال والسماء النقية… الجمال الذي خلص في الشعور باليأس، ولقد عرفت أن أطلال تيبازة **** هي أكثر فتوة من كل أبنية مؤسساتنا الحديثة، صحيح أن الظلم موجود، ولكن الشمس هي أيضا مصدر للقياس.. “
ومثل والدته، عانى كامو من الحياة، لم يعتقد أبدا أننا بحاجة إلى تجاوزها ببعض الأعمال الفنية، التي تعتبر مفيدة أحيانا للنزول من البرج العاجي، واستعادة بعض القيم الإنسانية …
كان “كامو” يعتقد، بأننا نناضل من أجل الفرق بين التضحية والتصوف وبين القدرة والعنف وبين القوة والقسوة، ومن أجل فرق بسيط بين الحق والباطل. نضال يبدأ بالإخلاص لإرادة حقيقية مفادها، أن النضال من أجل هذه الفروقات ليس من أجل إيجاد الفرق بين الحق والباطل فحسب، بل أنه نضال يبدأ أيضا بادراك حقيقة مفادها، إن القوة والتضحية والقدرة يجب أن تخدم متطلبات أكثر الحقائق جوهرية. الحقائق المتمثلة في الغضب الذي يولده كون الحياة بلا معنى، حقائق تدفع بالبشرية للنضال الإنساني، من أجل أن يعود البشر إلى تعاونهم، كي يكافحوا ضد قدرهم البئيس. لقد حولت التطورات التكنلوجية المتسارعة البشر إلى مجرد أشياء، وفقدنا التحدث بلغة الإنسانية، عندما نواجه جمال العالم ووجوه الناس ….
الصورة…
يقدم لنا “كامو” صورته عن طفولته في الجزائر العاصمة، في تلك الأيام العاصفة، حين كان
” كامو ” وأصدقائه في المدرسة يتسارعون إلى شرفة المدرسة، حاملين أغصان النخيل في مواجهة الرياح ” إنها رائحة التراب والقش، كان الفائز هو أول من يصل إلى نهاية الشرفة المطلة على السهول الصحراوية، دون أن تنتزع الرياح العاتية الغصن من بين يديه الصغيرتين. ثم يقف الفائز منتصبا، ممسكا بغصن النخيل على طول دراعه القصيرة، مفتخرا بانتصاره ضد قوة الرياح الهائجة …. ” وهذه الصورة هي التي جعلت “كامو ” سعيدا إلى الأبد..
يعتقد “كامو” بأنه يمكن تلخيص الحياة كلها في صورة، قد تكون هذه الصورة بالأبيض والأسود بالنسبة لأولئك الذين ولدوا بلا ذكريات ملونة، نتحدث عن النصف الأول من القرن العشرين. وهذا هو الحال بالنسبة “لكامو” لا شك أن أشهر الصور التي التقطت “لكامو” هي صور بالأبيض والأسود، ياقة معطف مقلوب وسيجارة معلقة بين شفتيه أو أصابعه أو جالسا خلف مكتب أو مستندا إلى الحائط أو يقرأ صحيفة أو محدق باهتمام في وجه صديق أو عشيقة، ملامح وجهه إما متجعدة أو مبتسمة ابتسامة يائسة …
تبدو هذه الصور بالأبيض والأسود مناسبة لطبيعة العلاقة بين اليأس والأمل، بين العبث والنظام بين الوجود والعدم. ولكن “كامو ” كان حريصا على التأكيد دائما، على أنه بالرغم من الغياب النسبي للأمل، فإنه لا يجب علينا أيضا أن نيأس …
في كانت الصورة الأخيرة لكامو وصديقه، قبل وقت قصير من وقوع حادثة السير المروعة صورة غارقة بألوان البحر الأبيض المتوسط. كان “كامو” واضعا إحدى دراعيه فوق كتف صديقة الحركة التي كانت تعبر عن قوة العلاقة الحميمية بين الأصدقاء في تلك المرحلة التاريخية العصيبة. ودراعه الأخرى تحت دقنه أسند بها “كامو ” رأسه المثقل بالكثير من اليأس والقليل من الأمل.. ينظر إلى يمين الكاميرا بوجهه المشمس المشرق، تكسوه ابتسامة عريضة، وكأنه يردد ما قاله في كتابه ” أعراس في تيبازة ” ” أنا لا أتحجب بأي قناع، يكفيني أن أتعلم بصبر، علم الحياة الصعب، الذي يفوق كل فنون الحياة..” هنا يقدم لنا “كامو” صورة أخرى لا تقل زهاء في ألوانها المشرقة.
لقد حاول “كامو ” مرارا انكار شخصيته العامة ” أنا رجل عادي، والقيم التي يجب أن أدافع عنها وأوضحها اليوم هي قيم عادية … أنا لا أتحدث باسم أحد، لدي الصعوبات الكافية في العثور على كلماتي الخاصة التي يمكن أن أعبر بها عن العبثية.. ”
وبالرغم من أن “كامو ” لم يكن مفكرا عاما وعرضيا، بصفته صحفيا ومحررا وروائيا وكاتبا ومسرحيا ومخرجا، كثيرا ما كان يشعر بعدم الارتياح إزاء نفسه. كغيره من البشر كان “كامو” يشكوا من التذمر، عندما ينظر إلى صورته العامة. إنه الرجل الذي لا يريد التخلي عن التميز بين الحق والباطل ومقاومة القمع والاضطهاد. الرجل الذي رفض الكذب بشأن ما يعرفه
لقد سعى “كامو ” لتوضيع إدراك حالتنا العبثية، وانتباهنا لصمت العالم، واخلاصنا لحالتنا ولطرقنا المشتركة في التعامل مع الحياة البئيسة المليئة بالأمل…
المصير المشترك:
لا شك أن المصير و الهم الإنساني المشترك، بين المفكرين و الفلاسفة و المبدعين والفنانين ظاهرة في أوجه التشابه المثير بين “جورج أوبيل” في إسبانيا و”كامو” في فرنسا المحتلة، فكلاهما كان مناهضا عنيدا للفاشية، وكانا أيضا مناهضين للاستبداد، فقد خاطر كلاهما بحياتهما في الكفاح ضد الفاشية ، وكلاهما كانا صحفيا وكاتب مقالات وروائيا . وبالرغم من أن الرجليين كانا غير محبوبين من جانب العديد من اليساريين الأوربيين، فإنهما لم يتنازلا قط عن ولائهما لقيم الاشتراكية الديمقراطية، ضد السياسات الامبريالية لبلدانهما حينذاك، ولقد عاشا أيضا في المستعمرات، ورفضا تبسيط واقعهما المعقد.. لقد كانا يعتقدان بأن دم الشيوعية على الرغم من احتوائه على مواد سامة، كان يسريي في نهاية المطاف عبر جسد سياسي نشط. في حين كان الدم الرسمالية في حد ذاته بمثابة السم الذي يحكم على الجسد بالموت.. ومنذ ذلك الحين فقط، أحتفي بهما كقديسين علمانيين.
لقد كان الرجليين مدخنين شرهين أيضا، ومصابين بالسل، وكلاهما رحلا في عز شبابهما عن عمر يناهز 46 سنة. وكلاهما أصرا أيضا، على الضرورة الجمال، ففي مقال نشر بعد فترة من الحرب تحدث “جورج أوريل ” على مباهج الطبيعة الخالدة، واعتقد إنه عبر الإبقاء على حب المرء الطفولي للأشياء، مثل الأشجار والسمك والفراشات يجعل من مستقبل المرء كريما وسليما. إن الرمال والبحر والنور والحرارة والرياح والنجوم، كانت مصدرا لسعادة لا تنضب، فقد لاحظ “كامو” أن العبثية قد تنصب لنا كمينا عند ناصية الشارع أو على شاطئ مشمس …هنالك الكثير من الجمال في هذا العالم، الكثير من البهجة، حين نحطم جدار الصمت عند الشاطئ الهائج…. عند نهاية حياته ظهر “كامو ” في برنامج تلفزيوني يتحدث عن حبه للمسرح، بقوله ” يجب على المرء أن يكون قويا وسعيدا لمساعدة التعساء… الفن يجعلنا نطلب السعادة ونسعى بصبر لها.. يجب أن نكون سعداء مع أصدقائنا في تناغم مع العالم، ونكسب سعادتنا من خلال اتباع مسار يقودنا إلى الموت..” فالجمال الكامن في العمل الفني يهزم لو لفترة قصيرة الهموم والانشغالات الإنسانية التي تحكم عاداتنا. وحين نمتلئ رهبة أو محبة ننسى أنفسنا، وهذا شرط أساسي لفسح المجال للأخرين يجب أن نعلق تفكرينا ونتركه منفصلا وفارغا وجاهزا لأن تخترقه الأشياء الجميلة..
كانت تلك اللحظات بين اطلالة “تيبازة” التي امتدت إلى رمال شاطئ الجزائر العاصمة.. وتسلق حبال منطقة القبائل، اللحظات التي كان فيها “كامو” وحيدا معتنقا لصمته المطبق مؤمنا بأمله البئيس.
الخاتمة …
من غير المؤكد معرفة أين ينتظرنا الموت؟ لكننا ننتظره في كل مكان. لقد تمنى “كامو” أن يجده الموت يزرع “القرنابيط” مع الكثير من الاهتمام بحديقته الصغيرة بدون مبالاة بالموت. لكن قدره المحتوم، فاجئه بالرحيل المبكر، تاركا ورائه أسئلته العقيمة وصمته الصاخب وصورته الأخيرة الملونة بألوان الطيف المتوسطي.
في2 كانون الثاني 1960م اصطدمت السيارة التي كان يقودها “كامو” بشجرة على جانب الطريق، مما أدى إلى مقتله وصديقه، كانت الحقيبة التي انقذفت على بعد عدة أمتار من السيارة تحتوي على أوراق تبوثية الشخصية، ونسخة من مسرحية “عطيل” لشكسبير ومخطوطة رواية ” الرجل الأول”. لقد صارع “كامو” العدمية طويلا بالتفاؤل الطيع حين أكد على أن هنالك في الأنسان أشياء تدعوا للإعجاب، أكثر مما تدعو للاحتقار. وفي وسط الشتاء القاسي اكتشف “كامو ” أن هنالك صيفا لا يقهر في نفسه، لقد عثر “كامو ” أخيرا على صوته الحقيقي….
الإحالات والهوامش
– روبرت زار تسكي، حياة تستحق أن تعاش، البير كامو والبحث عن المعنى، ترجمة إبراهيم قيس
جركس ، سطور للنشر والتوزيع ، بغداد ، الطبعة الأولى2023
– البطوطي ماهر، روائيات وروائيون من الشرق والغرب ن مؤسسة الهنداوي، المملكة المتحدة 2023
* قتل والد كامو المزارع في الحرب الاهلية الاسبانية. وترك هذا الرحيل حزن شديد في قلب والدة كامو
ولد كامو ونشأ في الجزائر المحتلة على ضفاف بحر جميل،1913م، حصل على جائزة نوبل وهو في السن 43 وبهذا يكون كامو من أوائل الأدباء الشباب الذي حصلوا على هذه الجائزة العالمية.
** فريدريش فليهيم نينشة، فيلسوف الماني ، شاعر ولغوي باحث في اللغة اللاتينية. ولد 1844م وتوفي 1900م ألف العديد من الكتب أشهرها كتاب، هكذا تكلم زرادشت
*** السير هربرت إدوارد ريد، ناقد أدبي ومؤرج فن وفيلسوف ولد 1893م وتوفي 1968م له العديد من المؤلفات أشهرها كتاب، معنى الفن…
**** تيبازة ، ولاية جزائرية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط

إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...