د. الحبيب ناصري
الإهداء إلى روح بوجميع
ما قبل الرحيل
لن نختلف كثيرا، في كون العصر الذي نعيشه اليوم، هو عصر تتحكم فيه، وفي المجمل، العديد من مظاهر التفاهات المشكلة ل”وعي” و “لاوعي” مجتمعاتنا الحالية، لاسيما تلك التي تبحث عن مكانة تحت شمس عولمة (أو ما بعد عولمة)، فككت فيها القيم الإنسانية، وراحت تعيد صياغة العالم، وفق هوى غرب، دفن ما حملته رياح ثوراته الإنسانية، ليرسخ قيم غير عادلة، أبعدت العالم، عن روح دياناته السماوية والوضعية معا. طبعا فهذا الغرب، ليس من طينة واحدة، فهو مركب، وفيه بعض الأصوات القليلة التي لا زالت متمسكة بالقيم الإنسانية العادلة، والتي وجب الدفاع عنها مهما كلفها الأمر.
زمننا هذا، خلخلت فيه الأذواق، وعاد السؤال، ما الذوق ؟ وما الجمال؟ وما الإنسان؟، بل وما العالم؟ وما الحياة؟ وما الفن؟..أسئلة جن من أجلها، “نيتشه” الذي لم يتقبل صهيل حصان يجلد بسوط رجل إيطالي، صلب القلب والوجدان، كما تقول بعض الروايات، مما جعله (أي نيتشه)، يرتمي على الحصان المعنف، ويعانقه، ولم ينهض إلا وهو في حالة “جنون”.
عالم اليوم، دون شك، يعيش العديد من التمزقات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، الخ، بل عالم فقد، وفي المجمل، عقله وقلبه معا، وراح صانعو خرائطه، يعيدون ترتيبه وفق هواهم، وبالتالي دفنوا ما تبقى من قيم إنسانية، دافعت عنها العديد من الفلسفات..
لا زلت أتذكر، معارضتي الشديدة، وأنا ذلك الطالب المشبع بفلسفة ماركس، في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، لما قاله لنا أحد أساتذتنا (الأستاذ حكمت الأوسي من العراق)، الذي درسنا مادة النقد، حيث أكد أن الاستقرار السياسي والاقتصادي يصنع أدبا رفيعا، واستدل على قوله بزمن الأندلس. رفضت قوله، طبعا بأدب، وقلت له، ما مفاده، إن هذا النوع من الأدب يكون غير ذي روح وعمق إنساني، وهو ما نجده في أدب الثورة المدافعة عن القيم والباحثة عن حياة جديدة، ورافضة للديكتاتوريات العسكرية الظالمة، المانعة للنضال وتعدد الأحزاب والنقابات، والخانقة لمجد الحرية والعامل والفلاح..
طبعا جيلي عاش في زمن تلك الحرب الباردة التي شكلت عالما منقسما إلى عالم اشتراكي يقوده آنذاك الاتحاد السوفياتي (رمز المعسكر الشرقي)، وعالم آخر تقوده الولايات المتحدة الأمريكية (رمز المعسكر الغربي).
في ظل هذا العالم وانقساماته وتمزقاته وجراحه وتبعياته، ولدت الظاهرة الغيوانية، وفي مقدمتها ناس الغيوان[1]، باعتبارها ظاهرة غيوانية مغربية شعبية، ولدت من رحم آهات مجتمع مغربي، لم يكن بعيدا عن تمزقات ما جري بين القوتين الكبيرتين. خلال هذا الزمن تشكلت العديد من الأذواق ذات النفس الاشتراكي الشيوعي الناطح للرأسمالية..ربينا لحية ماركسية، وحفظنا جيدا معجمه، ولم نعد نرى العالم، بعيدا عن عيونه هو[2].
زمن ليس كبقية الأزمنة
كانت صيحات الغيوان، والشيخ إمام، وفؤاد نجم، ومارسيل خليفة، وسعيد المغربي، الخ، مفاتيح موسيقية فنية وثقافية، وجب التشبع بها مسبقا.. بل كان لصوت بوجميع، صداه الذي لن يصدأ في أذني..
في زمنه، وبعده، كان صوته لوحده يهزنا من الأعماق.. تعلمنا كيف نقوم بتأويل صيحاته، فيما بعد، بل تعلمنا كيف نصبح متخصصين في علم التأويل، من خلال تتبع كافة تفاصيل غنائه. تماهينا مع طريقة لباسه وشعره وغنائه..كان رحمه الله، سواء فوق خشبة المسرح، أو وهو يتمايل مع بقية أعضاء فرقة الغيوان، بمثابة أيقونة غنائية شعبية مغربية تاريخية، لن يكررها زمننا المغربي..
من زمن آهات مغرب جريح، ومثقل بمخلفات المستعمر الفرنسي، وصراع قوي بين العديد من الأقطاب السياسية والثقافية والفنية والدينية، الخ، بزغ نجم بوجميع رحمه الله، ليعبر عن زمن المظلوم محليا وإنسانيا.. كان لابد من صوته الذي وجد فيه العديد من المغاربة، جرحهم الجماعي.. رقصوا على إيقاعاته، ليفرغوا ما في قلوبهم من قهر اجتماعي وسياسي..كان لوحده عنوان مرحلة غيوانية ومغربية برمتها.
رحل وهو في أوج عطائه ..فهل فعلا كان عليه الرحيل؟.
يتفق معظم متتبعي فرقة الغيوان، أن رحيله، كان مبكرا. مات رحمه الله سنة 1974، وهو من مواليد سنة 1944 بالحي المحمدي. لم يعمر غير ثلاثين سنة. يذكرني رحيله، برحيل الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، والذي له فضل كبير علي. ربما هما معا رحلا دون أن يعمرا طويلا، وعلى الرغم من ذلك، عطاءات المبدعين قوية ولازالت تفعل فعلها فينا جميعا.
ما ميز السياب وبوجميع رحمهما الله، اصطفافهما ضد الظلم، ومناصرة كل القضايا الإنسانية العادلة. واحد تكلم بلغة الشعر الفصيح، والثاني تحدث بلغة الشعر الشعبي العامي.. هما معا عاشا العديد من الجراح..
من منا اليوم، من الممكن نسيان، صورة بوجميع رحم الله وهو يغني :
غير خذوني لله غير خذوني/ وما صابر أنا على اللي مشاو/ وأنا ما صابر/ الصفايح في يدين حداد وأنا ما صابر/ غير خذوني لله غير خذوني..
غنى لزمنه ولزمن غير زمنه.. غنى وخلخل بصوته كل الجراح التي تنخر العديد من الأجسام النحيلة في زمن مغربي، كان الخوف يصنع العديد من محطاته التاريخية، وهو ما اصطلح عليه ب” سنوات الجمر والرصاص”. مادة سياسية وتاريخية واجتماعية، وجد فيها العديد من السينمائيين والتشكيليين والمسرحيين والروائيين، الخ، ضالتهم الإبداعية إلى يومنا هذا. فهل كان لابد من رحيله المبكر ليبقى شاهدا على زمن مغربي، وجب فهمه، والتصالح معه بلغات فنية وثقافية عديدة؟.
هل كان عليه أن يرحل رحمه الله، ليبقى شاهدا على زمنه الفني النقي، دون العيش حتى الآن ليشاهد زمنا مغايرا لزمنه الفني العريق؟. هل كان عليك وا خيي بوجميع أن ترحل، دون أن تشاهد العديد من الصور التي احتلت المشهد، في عالمنا المثقل بالجراح، وهي صور شيبت الطفل قبل العجوز. رحيلك عزيزي، شبيه بالفعل بمقولة الشمعة التي احترقت من أجل الغير. رحيلك لم يؤثر على مجموعة الغيوان فحسب، لكي يحقب إبداعها، بمرحلة بوجميع، وبمرحلة ما بعده. بل رحيلك، جعل من صيحاتك الطربية، جزءا من الرأسمال الصوتي/الموسيقي المغربي الشعبي، والذي لا زال يوظف إلى يومنا هذا في سياقات سينمائية وثقافية متعددة. صيحاتك لا زلت أعيد بها”مجدي” الطفولي الهارب مني، وأنا أقضي ما تبقى من عمري المهني، وفي انتظار توصلي بوثيقة، قيل لي كانت شهيرة بعبارتها القائلة، “لقد تم التشطيب عليكم من..”. بصيحاتك، أحتمي داخليا، لأعيد رسم أمكنتي الطفولية التي هدمتها يد العقار الموحشة. بها أيضا أرسم وجه أمي، وهي ترقص على إيقاعات عيطة شعبية مغربية عريقة، وتصوم دوما يومي الاثنين والخميس.. بها أيضا أسترجع زمن الرفاق.. وبها أعيد رسم رائحة أتربة شهداء مدينة وادي زم، والأطلس المتوسط، وغيرهما.. شهداء احتضنتهم رائحة النخيل ومياه وطن عذبة تسيل من قمم شامخة.. وطن لم يولد بصك وثيقة، بل بني برائحة التاريخ والمعرفة والجمال.. وها هي صومعة الكتبية في مراكش لازالت شامخة تخترق العديد من الأزمنة .. شاهدة على من مروا من هناك..ومن هنا..
فهل كان حقا عليك الرحيل وا خيي بوجميع.. رحمك الله.
[1] لمعرفة العديد من تفاصيل موسيقى ناس الغيوان، وما ميز مراحلها التاريخية، يمكن العودة إلى مؤلف الدكتور مولاي حسن حبيبي : أصوات تشبه المغرب.
[2] العديد من هذه التفاصيل، حاضرة في روايتي “حلم أمكنة” الصادرة عن مطبعة الأخوين السليكي بطنجة، الطبعة الأولى سنة 2025.





