المختار عنقا الادريسي
مفتش ممتاز للتعليم متقاعد
و خبير دولي في التربية على حقوق الانسان
، والمدير المؤسس لمجلة ” أمل ” للتاريخ والثقافة والمجتمع
لم أتعلم الصمت دفعة واحدة ، ولا أنا اخترته منذ البداية . ففي سنوات التكوين – الاساس والتكميلي – الذي استفدت منه ، ثم في زمن المسؤولية التربويةالمتنوعة ، وفي لحظات الفعل والانخراط الحقوقي ، كان الكلام جزءا من الواجب الذي يتراوح بين الشرح والتوضيح والاحتجاج والمحاجة وتسمية الأمور بمسمياتها . لكن مع تراكم التجربة وتنوعها ، بدأت أكتشف أن ما لم أفعله في البدايات ، علمتنيه الحياة ببطء ، فغدا الصمت – حين يُخْتَار –
ليس تراجعا ، بل انتقالا الى شكل اخر منه .
1 بلاغة الصمت في زمن الكلام المستهلك :
في سنوات العمل التربوي ، كنت أومن أن الشرح المتواصل يضمن الفهم ، وأن الاكثار من القول يحضن المعنى ، كنت أشرح … أعيده …
لأراهن على الكلمة بوصفها أداة اصلاح . لكن الواقع كما الزمن ، كان أكثر تعقيدا من ذلك
ومع مرور الزمن ، بدأت ألاحظ أن كثرة الكلام لاتنتج دائما وعيا بالأمور
وأن بعض الصمت داخل حجرات الدرس ، أو في قاعات الاجتماعات ، أو في خضم النقاشات العامة … كان أحيانا أكثر تأثيرا من أي خطاب كامل . صمت يربك ، لكنه يجبر على التفكير ويكشف حدود المسلمات
خارج المؤسسة التربوية
وحتى في الفضاءات العمومية ، قد يكون الضجيج أعلى .والكلمات
التي تقال باسم القيم نفسها قد تفتقر الى العمق نفسه . وهناك
– بالضبط – تعلمت أن اللغة يمكن أن تُستعمل ضد معناها ، وأن الدفاع
عن القيم لا يكون دائما بتكرار اسمها فقط . وفي مثل تلك اللحظات ، يصير الصمت بالنسبة الي شكلا من أشكال الامتناع الواعي عن استهلاك الكلمات النبيلة
والعميقة ، في سياقات تُفْرِغها من مضامينها .
ولم يعد الصمت في تلك المرحلة علامة فراغ ، بل علامة مسافة لحماية الفكرة من كل تبسيط ، وحماية الذات من التورط في لغات لا تشبهها .
2 متى يكون الصمت موقفا أخلاقيا ؟ :
في العمل الحقوقي الذي مارسته في شقيه :
التعليمي / التعلمي ، المنصب على المواطنة . والانشغالات الجمعوية المرتبطة بالتربية على حقوق الانسان ، لم يكن يُسمح بالصمت . فهناك لحظات كان فيها الكلام
– كما هو الفعل – واجبا تربويا لا يقبل التأجيل ،
لأن الصمت والحالة تلك
يصبح شراكة ضمنية في الظلم . وهي لحظات خبرتها في الكثير من المحطات ، وتعلمت منها
أن أثمان الكلام وتكاليفه مهما كانت باهضة ، تظل
أهون من ثمن كل صمت .
وعرفت كذلك أن الوجه الاخر المتجلي في لحظات قد يُدفع فيها الانسان الى الكلام ، ليس من أجل الحقيقة ، بل من أجل الاصطفاف …
التهييج … تسجيل المواقف . ففي تلك اللحظات ، كان الصمت بالنسبة الي طريقة لحماية الأفكار من التسييس المفرط ، وحماية القيم الكونية من التحول الى شعارات وعموما يبقى الصمت الأخلاقي – كما خبرته –
في كل التقلبات … التدرجات المهنية منها والجمعوية ، لا يعني الغياب ، بل هو اختيار
المجال والمكان المناسبين للقول والفعل
وأن نقول حين يكون القول اضافة ايجابية ،
لامجرد صدى . وأن نصمت لأنه أصدق من أي انخراط في جدل بلا أفق
ولم يكن هذا التمييز سهلا ، لأنه لا يكتسب من الكتب ، بل من الاحتكاك بالاخر … من الخيبات أحيانا … من مراجعة الذات بعد كل موقف .
3 الصمت الذي يسبق
الكلمة … والصمت الذي يحميها :
مع مرور السنوات ، تتعدد التجارب ويصير الصمت عندي جزءا من أخلاقيات وأدبيات القول . ففي الممارسة التربوية تعلمت أن الكلمة التي تقال قبل نضج المتلقي ، سرعان ما تضيع . ومن خلال محطات الشأن العام تعلمت أن الكلمة التي تأتي قبل نضج السياق ،
عادة ماتستعمل ضد مقصدها . فالصمت الذي يسبق الكلمة هو ذاك الذي يسمح لها أن تتخفف من الانفعال ، من
الرغبة في الاقناع السريع . وبالتالي فهو صمت المراجعة والتأني،
لا صمت الحيرة والتردد .
أما الصمت الذي يلي الكلمة ، فهو ذلك الذي يمنعها من التحول الى شعار . أو من الاستهلاك في غير مايراد لها .
وتبقى بعض الكلمات التي أكون قد قلتها في لحظات صمت طويل ، حية نابضة – الى اليوم –
في الذاكرة المشتركة . أما بعضها الاخر الذي قيل تحت ضغط اللحظة أو الموقف ، فلم تعش أكثر من صداها الذي المتردد . لهذا لم يعد الصمت بالنسبة لي نقصا في التعبير ، بل شكلا من أشكاله المتقدمة . وهو ليس انسحابا من الحياة العامة ، بل اعادة تموقع داخلها . وحضوره أقل صخبا ، لكنه أكثر انتباها.
وهكذا صار الصمت في تلك المرحلة العمرية ، اختيارا لا رد فعل ، وأسلوبا معتمدا بكل تأن
وعليه فليس كل صمت حكمة ، ولكن كل حكمة
– كما تعلمت متأخرا – تحتاج الى صمت يسبقها ويصونها على الدوام .
16يناير 2026
Malaga





