نبيل التّويول / إيطاليا تلغراف –
في زيارة ذات أبعاد معرفية ورمزية، حلّ الصحافي السوداني المرموق طلحة جبريل ضيفا على معهد الدوحة للدراسات العليا، أحد أبرز الصروح الأكاديمية العربية المتخصصة في الدراسات العليا والبحث العلمي النقدي. زيارة لم تكن بروتوكولية بقدر ما تمثل محطة للتأمل في مسار مؤسسة أكاديمية نجحت، خلال سنوات قليلة، في تخريج 1426 باحثا وباحثة من أكثر من 40 دولة، وفي تكريس نموذج عربي رصين للتعليم العالي.
استقبل طلحة جبريل من طرف الدكتور عبد الوهاب الأفندي، رئيس المعهد، حيث دار بينهما نقاش عميق حول قضايا الفكر، والتعليم، ودور الصحافة في التحولات السياسية والاجتماعية بالمنطقة. وخلال اللقاء، عبّر جبريل عن رغبته في فتح آفاق هذا المعهد أمام طلبته في المغرب، خاصة خريجي الصحافة، وهو ما قوبل بتفاعل إيجابي، شمل شرح آليات القبول والمنح الكاملة، واقتراح مساهمته بمحاضرات دورية داخل المعهد.

و يتميّز معهد الدوحة للدراسات العليا بكونه مؤسسة مستقلة تعتمد اللغة العربية أساسا للتدريس والبحث، مع انفتاح منهجي على اللغات والمعايير الأكاديمية الدولية. ويعدّ معدل أستاذ واحد لكل ثمانية طلاب مؤشرا دالا على عمق التكوين وجودة الإشراف العلمي، في بيئة متعددة الثقافات تمثل فسيفساء إنسانية وفكرية نادرة في الفضاء العربي.
هذا النموذج لا يقدّم فقط شهادات جامعية، بل يسعى إلى تكوين باحثين وصحافيين مفكّرين، قادرين على مساءلة الواقع، وتحليل الخطاب، وربط الإعلام بالسياسات العامة وأخلاقيات المهنة.
طلحة جبريل: من التجربة الشخصية إلى التأثير التربوي
يعد طلحة جبريل واحدا من الأسماء العربية التي جمعت بين التجربة الصحافية العميقة والقدرة على نقل المعرفة للأجيال الجديدة. مسيرته الفكرية تشكّلت في تقاطعات متعددة، تأثره المبكر برواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، بما تحمله من أسئلة الهوية، والذات، والآخر. و احتكاكه في ريعان شبابه بموجة الهيبي وما رافقها من نزعة تحررية ونقد للأنماط الجاهزة. ثم الصدمة الوجدانية المرتبطة بوفاة حبيبته الأولى… كلها تجارب إنسانية تركت أثراها العميق في نظرته للحياة، والكتابة، والعلاقات الإنسانية. إلى جانب محطات سياسية ومهنية وازنة، من بينها استقباله في القصر الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، أسهمت في صقل شخصية صحافي يمتلك حسا نقديا رفيع المستوى، ووعيا عميقا بأدبيات السلطة، وفهما دقيقا لتعقيدات العلاقة بين الإعلام والدولة.

أستاذ محبوب… لأن الصحافة تدرّس بالتجربة
في قاعات الدرس بالمعاهد المغربية، لا ينظر إلى طلحة جبريل كأستاذ تقليدي، بل كـراو لتجربة حيّة. يدرّس الصحافة من موقع من عاشها، واصطدم بتناقضاتها، ولامس حدودها الأخلاقية والمهنية. وهو ما يجعل طلبته ينظرون إليه كمرجع استثنائي، لا فقط في تقنيات الكتابة، بل في معنى أن تكون صحافيا مسؤولا.
شراكة محتملة… ورهان مغربي
في هذا السياق، تكتسب إمكانية بناء جسر أكاديمي غير مباشر بين معهد الدوحة للدراسات العليا وطلبة طلحة جبريل في المغرب أهمية خاصة. فهي:
تفتح أمام خريجي الصحافة المغاربة أفق الماجستير والدكتوراه البحثية، و تنقلهم من التكوين المهني الضيق إلى فضاء التفكير النقدي والسياسات الإعلامية، وتعزز الحضور المغربي في الفضاء الأكاديمي العربي، في انسجام مع مكانة المغرب كبلد استقرار وانفتاح، ومع الثقة التي يحظى بها جبريل لدى جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

و ليست زيارة طلحة جبريل لمعهد الدوحة للدراسات العليا حدثا عابرا، بل لحظة تكشف عن إمكانات كامنة في تلاقي التجربة الصحافية العميقة بالمشروع الأكاديمي العربي. إنها قصة صحافي تحوّل إلى وسيط معرفة، ومعهد يسعى إلى صناعة نخبة إعلامية عربية حقيقية، وطلبة مغاربة يقفون على أعتاب فرصة للعبور من المحلي إلى العربي، ومن المهنة إلى الفكر.





