عبد القادر الفرساوي
أعلنت الحكومة الإسبانية مؤخرا عن قرار بتسوية استثنائية لأوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، في إطار اتفاق سياسي يسمح بمنح تصاريح إقامة وعمل لفئات واسعة ممن يقيمون في البلاد منذ فترة. القرار قد يشمل، حسب التقديرات، ما بين 500 ألف إلى أكثر من 800 ألف شخص، وهو من أكبر قرارات التسوية في تاريخ إسبانيا الحديث.
هذا القرار لم يمر بهدوء. فقد أطلق اليمين المتطرف ومعه جزء من اليمين التقليدي حملة تخويف واسعة، صورت التسوية وكأنها تهديد للأمن والخدمات والهوية. لكن خلف هذا الضجيج، تختبئ حقيقة أبسط: هذه التسوية لا تعبر عن “تساهل”، بل عن محاولة متأخرة لتصحيح فشل إداري تراكم لعقود.
كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟
منذ سنوات طويلة، تعتمد إسبانيا نموذجا غير معلن: دخول، ثم سنوات من الانتظار في وضع غير نظامي، ثم تسوية عبر مساطر معقدة أو قرارات استثنائية. هذا النموذج لم ينتج اندماجا حقيقيا، بل أنتج جيشا من العمال في الظل، بلا عقود، بلا حماية، وبلا أفق واضح.
حسب مؤسسات بحثية إسبانية مستقلة، يقدر عدد المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا بحوالي 840 ألف شخص مع بداية 2025. هذا الرقم لم يظهر فجأة، بل هو نتيجة تراكم سياسي وإداري. ومع ذلك، يقدم اليوم وكأنه نتيجة “تساهل إنساني”، في حين أن الواقع هو العكس تماما.
لماذا يهاجم اليمين المتطرف التسوية؟
بكل بساطة لأن التسوية تفسد عليه لعبته المفضلة: التخويف.
اليمين المتطرف يعيش سياسيا على صورة “المهاجر غير النظامي”: شخص غير مرئي، سهل التشويه، سهل تحميله مسؤولية كل الأزمات. عندما تسوى أوضاع الناس، وتدخل أعداد كبيرة إلى النظام القانوني، تختفي الفزاعة، ويصعب تسويق خطاب الكراهية.

اليمين يتحدث عن “غزو”، بينما تظهر البيانات أن أغلب المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا قادمون من أمريكا اللاتينية، لا من إفريقيا أو العالم العربي. ومع ذلك، تستعمل صورة المهاجر المسلم والإفريقي بشكل انتقائي، لأنها تخدم خطاب الخوف، لا الحقيقة.
التسوية تحمي المهاجر وتخدم الدولة
التسوية ليست هدية. هي إدخال الناس إلى دائرة القانون:
– عقود عمل قانونية.
– مساهمة في الضرائب والضمان الاجتماعي.
– حماية من الاستغلال.
– وضوح قانوني يفتح باب الاندماج الحقيقي.
من منظور اقتصادي وأمني، هذا يعني:
– تقليص الاقتصاد الأسود.
– تحسين شروط العمل.
– زيادة الموارد العمومية.
– وتعزيز قدرة الدولة على التنظيم والمراقبة.
ماذا يعني هذا للجالية المغربية؟
بالنسبة للجالية المغربية، هذا القرار له أهمية خاصة. آلاف المغاربة يعيشون في إسبانيا في أوضاع إدارية هشة، رغم سنوات من العمل والمساهمة في الاقتصاد. التسوية تعني:
– استقرار قانوني.
– إمكانية لمّ الشمل الأسري.
– حماية من الابتزاز والاستغلال.
– وأفق أوضح للشباب والأبناء.
كما أن تحسن وضع جزء من الجالية ينعكس إيجابيا على صورة الجميع، ويضعف محاولات التعميم والوصم.
لا إصلاح بلا تسوية
طبعا، التسوية وحدها لا تكفي. يجب أن ترافقها إصلاحات حقيقية: قنوات قانونية، تسريع الإدارة، وربط الهجرة بحاجات الاقتصاد والسكن والخدمات. لكن استعمال فشل الدولة ذريعة لمعاقبة البشر، ليس سياسة، بل هروب من المسؤولية.
إن الخوف الحقيقي ليس من التسوية، بل من ترك مئات الآلاف في الظل، لأن الظل هو البيئة المثالية للشعبوية والكراهية والاستغلال.
من هنا، يصبح دعم التسوية ليس موقفا “يساريا” أو “إنسانيا” فقط، بل موقفا عقلانيا يحمي المهاجر، ويقوي الدولة، ويضرب خطاب اليمين المتطرف في صميمه





