1 الصمت باعتباره مساحة للتصالح .

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عنقا الادريسي المختار

 

الذاكرة في هذا العمر ، ليست ساحة للمحاسبة، ولا العلاقات مجالا للشد والجذب . فكلاهما يحتاج الى
الصمت لا بوصفه فراغا ، بل باعتباره تلكم
المساحة التي يصبح فيهاالتصالح – بمختلف أشكاله – ممكنا للتجاوز .
فحين نهدأ ، لا نلغي الماضي ، بل ننظر اليه دون أية خصومة .
فتتغير معه طبيعة الذاكرة ، ولاتعود دفترا للحساب ، ولا حقلا للألم المؤجل ، بل تغدو خبرة
انسانية دائمة الحركة والتحرك ، تبحث عن المعنى وليس عن الادانة .
في الصمت نتعلم أن بعض مانحتفظ به لا يحتاج الى أي تفسير ، بقدر ماهو في حاجة ماسة الى نظرة أعمق … أوسع … أرحم . وبالقدر نفسه تحتاج العلاقات المتأخرة في هذا العمر الى ذاك الصمت العادل… المعقلن ، الذي لا يقطع الوصل ولا يراكم المسافات ، بل يضع لكل علاقة حدودها الصحية ، مع الحرص على استحضار مايقال حين يلزم القول ، وما يترك احتراما للتجربة ، وما يُسَامَح لأنه كان – ذات يوم – جزءا من العبور . لأن الصمت هنا ليس برودا عاطفيا ، ولا تخليا عن الحميمية ، بل هو انتقال من علاقات تقوم على الامتلاء الدائم ، الى علاقات أكثر اتزانا … أقل مطالبة … أصدق حضورا .
في هذه المساحة الصامتة . نصالح
الاخرين دون أن نسمح لذواتنا بالذوبان فيهم . ونتعلم أن القرب لا يقاس بكثرة الكلام ، كما أن البعد لا يقاس بالصمت .
وهكذا يصبح الصمت ممارسة أخلاقية… حكمة عملية… طريقة هادئة لحماية ماتبقى من المعنى في :
الذاكرة
العلاقات
مانختار حمله معنا .

2 الصمت والعلاقات وأخلاق المسافات

في هذا العمر الذي أعيشه – وكثير من أمثالي – لم تعد العلاقات امتحانا للحضور الدائم ، ولا ساحة لاثبات القرب ممن يدور في فلكنا أو الدفاع عنهم . وقد تصير على نحو أعمق ، مسؤولية أخلاقية تتطلب قدرا من الاتزان … التروي … الصدق …الصمت.
لقد علمتني الحياة … التجارب …أن الخلاف لا يفسد علاقاتنا ، بقدر مايفسدها الاصرار
على الكلام في الوقت الخطأ ، والرغبة في الحسم حين يكون المطلوب هو التريث .
علما أن الصمت هنا ليس قطيعة ، ولا تمزيقا لرداءات الهدوء ، ولا انسحابا من الود . بل هو مسافة ضرورية لحماية العلاقات من أي استهلاك ، وحفظها من فائض التوقعات ومن ثقل العتاب المتراكم . في العلاقات المتأخرة من العمر ، نتعلم أن القرب لا ولن يعني الامتلاء الدائم ، وأن المحبة لا تقاس بكثرة الحضور ، وأن الصداقة لا تحتاج الى التبرير المستمر . فيكفي أحيانا أن نترك للاخر مساحته ، ولأنفسنا حق وواجب الهدوء . والصمت في
المجال العلائقي لايعني الانكماش أو الاستكانة ، بل هو أن نكون على بينة من : متى ينبغي لنا أن نتكلم ؟ ومتى نكتفي بالاصغاء والتأمل ؟. وهو كذلك الالمام بوقت
تقبل الأسئلة التي لا تحتاج الى أي جواب ، واستضمار بعض الجراح وتركها تلتئم بالتروي والصبر، عوض الرد أو الشرح . ورغم أن ليس كل صمت هو فضيلة لكن الصمت الذي تُوَلِّده الخبرة ، ويُنْتِجُه احترام حدود الذات والاخر ، يغدو شكلا من أشكال الحكمة والتعقل ، وبذلك فان الصمت الذي لا يُقْصِي … لا يعاقب … لا يبتز ، بل يفسح المجال لأن تستعيد العلاقة توازنها ، ويسترجع
الصفاء أديمه معها . في
هذا المنعطف من العمر نميل الى علاقات أقل عددا وأعمق أثرا . علاقات لاتقوم على الاستهلاك العاطفي أو الرياء الاجتماعي ، ولا على الحضور الاجباري ، بل على الود الهادئ … الثقة الصامتة … القدرة على الغياب ، دون خوف من الفقد . فيكون الصمت بهذا المعنى ، ليس علامة فتور ، بل دليلَ نضج ، ويضحى حبا دون امتلاك ،
واقتراب دون تذويب للمسافات والفواصل. وقد يكون اختلافا دون تكسيرللخيط الانساني الجامع بيننا . وهكذا تصبح العلاقات في هذه المرحلة العمرية أخفَّ عبئا وأصدق معنى . نغترف منها ما يضيف
الى أرواحنا البهجة والانشراح ، ونترك ما أثقلها بهدوء تام لا يخلو من كل امتنان .

طنجة في 24 .1 .2026
إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...