عنقا الادريسي المختار
في ليلة اخر جمعة من ليالي يناير الحالي ، أسلم الفنان المغربي الكبير عبد الهادي بلخياط الروح الى بارئها بالمستشفى العسكري بالرباط ، عن عمر ناهز ستة وثمانين عاما ، بعد معاناة طويلة مع المرض وكأن الجسد الذي أتعبه الزمن قرر أخيرا أن يستريح، فيما ظل صوته– كما كان دائما – أقوى من أي غياب .
وقد كان أسابيع قليلة من رحيله لملاقاة ربه ، قد تعرض لطارئ صحي في مدينة الداخلة ،حيث نُقل الى قسم العناية المركزة عقب مشاركته في نشاط فني بمدينة نواكشوط / موريتانيا .
فقد ظل المرحوم حتى في سنوات التعب يحمل وفاءه للفن الراقي وللناس أجمعين ، وكأن الغناء عنده رسالة حياة .
برحيله ، لا يفقد المغرب مطربا فقط ، بل يفقد طبقةكاملةمن الاحساس ويفقد جيلا من الأصوات التي كانت تعتبر الفن تهذيبا للروح لا مجرد عرضٍ للموهبة .
1 صوت من زمن الصفاء
ينتمي المرحوم الى ذلك الجيل الذهبي الذي صاغ الهوية السمعية للمغرب الحديث . جيل لم يكن يبحث عن الشهرة بقدر ماكان يبحث عن المعنى،
ولم يكن يلهث وراء الانتشار بقدر ماكان يسعى الى الخلود الفني .
كان صوتا شجيا ، ممتلئا بالوقار . صوتا لا يعلو ليُبْهر ، بل ينخفض ليصل الى القلوب ،وحين يشدو … يغني …يُطْرب ، لم يكن يؤدي الألحان فقط ، بل كان يحكي حياة كاملة بكل تلاوينها .
لذلك لم تكن أغانيه مجرد أعمال فنية عابرة ،بل تحولت الى محطات وجدانية في الذاكرة المغربية عامة ، تحمل دلالات رمزية معبرة عن حالات انسانية مختلفة :
* القمر الاحمر …نشيد الحلم والعاطفة ورمز النقاء والسمو الذي يهدي العاشق في عتمته .
* قطار الحياة … تأمل فلسفي مغنى في رحلة الانسان .
* الصنارة … حكاية الانسان الكادح ، البسيط وأنشودة الصبر وانتظار الرزق .
* بنت الناس … مراة للعاطفةالصادقة النظيفة والحياء الاجتماعي .
* البوهالي … انسياب شعبي راق ، يعكس روح ودفء كل العلاقات الانسانية .
* المنفرجة … ابتهال روحي يلامس الدعاء ويتخفف من ثقل الدنيا طلبا للفرج والسكينة .
* باقي أغانيه ، لم تكن مجرد طرب ، بل كانت مدرسة في الاحساس ، تجمع مابين الرقي الفني
واللغة المهذبة والوجدان الصادق ، لذلك صدق من قال بأنها تبدو أقرب الى سيرة مجتمع مغنّاة .
2 من أجل مسيرة زمنية توثيقية لمسار المرحوم .
لقد ولد المرحوم بلخياط عام 1940 بمدينة فاس المغربية ، ورحل مساء الجمعة 30 يناير 2026 بالمستشفى العسكري بالرباط بعد مسيرة فنية وانسانية امتدت أكثر من ستة عقود ، خلدت فيها صوته ووجدانه في ذاكرة العرب عامة والمغاربة خاصة .
“Wikipedia”
وفي أوائل ستينيات القرن الماضي ، بدأ بلخياط رحلته الفنية حين استقر بالبيضاء ، حيث برز في الساحة الفنية بعد أداء ممتاز في اذاعة المغرب . وفرض صوته كواحد من الأصوات المؤثرة ضمن جيل جديد من المطربين المغاربة ، الى جانب العديد من الأسماء البارزة انذاك في الساحة الفنية “Wikipedia” ولم يكتف بالنجاح المحلي ، بل سعى الى تعميق خبرته الفنية ، من خلال اكمال دراسته الموسيقية في المعهد الثانوي للموسيقى العربية بالقاهرة ، بين 1965 و 1967، حيث تعرف الى الموسيقى العربية الكلاسيكية وطور مهاراته الصوتية .
“Le matin.ma ”
وعقب عودته الى المغرب وضع بلخياط بصمته في الساحة الفنية بقوة ، فأصدر أغاني أصبحت من أيقونات التراث الغنائي المغربي وفي الثمانينيات والتسعينيات ، استمر في تقديم أغانيه الخالدة المعبرة عن قضايا الحياة….العاطفة … الانتماء … مما أكسبه قاعدة جماهيرية واسعة جعلت من أغانيه مرايا لوجدان الجمهور
“Lematin.ma”
وفي نهاية التسعينيات وبداية الألفية ، أعلن المرحوم عبد الهادي في 2012 عن اعتزاله الغناء التقليدي ليتفرغ الى الانشاد الديني والتربية الروحية . ورغم اعتزاله ، فقد ظل قريبا من جمهوره من خلال مشاركات قليلة ، كان أبرزها مشاركته في مهرجان موازين 2015 حيث قدم أعمالا ذات طابع روحاني ، مؤكدا أن حضوره لا يزول حتى حين يبتعد عن الأضواء
“Le 212 News”
3 الاعتزال لم يكن غيابا
في المرحلة التي اختار فيها المرحوم بلخياط أن يبتعد عن الساحة الفنية وعوضها بالانصرف الى التأمل الروحي والهدوء ، ولم يكن”اعتزاله” انطفاء وبتوقفه ذاك ازداد حضوره ، واثبتت تجربته الرائدة حقيقة نادرة ، نلخصها في القول : 【 الفن الأصيل لا يعتزل أبدا 】 اذ يمكن أن يسكت صاحبه ، لكن أثره الفني يبقى دائم الحضور . فيمكن أن يغيب جسده، لكن صوته يستمر في البيوت … المقاهي … السهرات … المناسبات … الذكريات .
فكم من مغربي كبر على أغانيه ؟
وكم من قصة حب بدأت على نغماته ؟
وكم من قلب وجد العزاء في صوته ؟ .
ولعمري فذاك هو الخلود الحقيقي .
4 عبد الهادي الانسان ، خسارة وطن … وربح ذاكرة .
لم يكن المرحوم مجرد فنان كبير ، بل كان – بشهادة كل من عرفه – انسانا متواضعا ، سمحا ،قريبا من كل الناس . لم تغره الأضواء ، ولم تغيّره الشهرة . فظل محبوبا بسيطا كما بدأ الى أن تغمده الله بواسع رحمته وهذه من مزايا الكبار حقا ، الذين كلما ارتفعت قامتهم الفنية ، ازدادوا انسانية . فبرحيله تكون الساحة الفنية المغربية قد فقدت أحد أعمدتها الكبار ، وأحد الأصوات التي شكّلت وجدان أجيال متعاقبة . لكن في المقابل ، ربح المغرب ذاكرة فنية ستبقى خالدة الى الأبد .
لأن الأوطان لا تبنى بالسياسة وحدها ، بل تبنى أيضا بالفكر … بالتراث الثقافي والشعبي …بالرياضة … بالفن … وأيضا بالأغاني التي تحفظ روح الوطن .
لذلك كان وسيبقى الراحل عبد الهادي بلخياط واحدا من حرّاس تلك الروح .
5 وداعا أيها الصوت الجميل .
نم قرير العين أيها الفنان النبيل ، بعد أن أديت رسالتك كاملة ، وتركت لنا مايكفي من الجمال لنقاوم به قسوة الحياة ، وما يكفي من النعم لنؤمن أن البلد المعطاء كان – وسيظل –
قادرا على انجاب الأصوات الكبيرة . وسيبقى اسمك يتردد كلما حضرنا النقاء والسمو ونحن في انتظار ” القمر الأحمر ” ، أو كلما دار بنا “قطار الحياة “. وحتى عندما يغنّى كل عاشق ل “بنت الناس ” ،أوكلما انتظر كادح منا ماستجود به “الصنارة ” ، أو عندما يردد القلب المتعب ” المنفرجة ” طلبا للابتهال الروحي والفرج .
وفي الختام نسأل الله العلي القدير أن يتغمدك بواسع رحمته ، وأن يلهم ذويك ومحبييك – وهم كثر – الصبر والسلوان ، وأن يسكنك فسيح الجنان . وانا لله وانا اليه راجعون .
طنجة في 31 . 1. 2026





