إيران في مواجهة اليد القوية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية

 

يعود مرة أخرى صوت السلاح إلى منطقة الخليج، ويعلو ضجيجه مع تصريحات نارية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كانت إسرائيل قد شنّت هجوماً جوياً وصاروخياً على بعض المنشآت العسكرية والنووية في 13 يونيو/ حزيران الماضي. وبعد تسعة أيام من بدء العمليات الإسرائيلية شاركت الولايات المتحدة بنفسها في الهجوم. وفي عملية أطلقت أميركا عليها اسم “مطرقة منتصف الليل” هاجمت ثلاثة مواقع رئيسية ذات علاقة بتطوير الأسلحة النووية الإيرانية، وبعدها توصلت الأطراف إلى اتفاق لوقف النار. وقد جاء ذلك الهجوم الإسرائيلي تحت عنوان إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وفي إطار أكبر، رغب في تغيير وجه الإقليم السياسي، حيث بدأ نتنياهو بمهاجمة غزّة وتحجيم حزب الله والمليشيات الإيرانية في سورية… وقد جاءت عودة صوت السلاح اليوم في المنطقة حين استشعرت الأطراف إلى ما تشكله إيران وأسلحتها النووية، خصوصاً بعد تمكّن النظام الإيراني من كتم الانتفاض أخيراً في الشوارع ضده، وبدا أن النظام يملك خيوطاً على الأرض، ويحتاج جهوداً كبيرة للحد من قدراته.

لم تلجأ إسرائيل إلى السلاح ضد إيران إلا في عام 2025، رغم أن أول اتهامات واجهتها إيران بامتلاك برنامج نووي عسكري تعود إلى أوائل التسعينيات. وفي 2002، تأكدت هذه الاتهامات، عندما كشفت مجموعات معارضة إيرانية عن منشأة نطنز، وأثار الكشف قلقاً عالمياً، وكانت لحظة محورية، حين تأكدت الدول الغربية أن إيران تسعى لتخصيب بعيد المدى يوصل في النهاية إلى قنبلة نووية. وطوال العقد الأول من القرن الحالي تكاثفت التقارير المخابراتية التي تؤكّد السعي الإيراني لتصنيع سلاح نووي، وانتشرت التكهنات لتقدير الوقت اللازم الذي يفصل إيران عن امتلاك قنبلتها النووية الخاصة. ورغم الحماسة الإسرائيلية لتوجيه ضربة إلى إيران، كانت الولايات المتحدة تستخدم نفساً طويلاً لمعالجة الأمر، واكتفت بإصدار القرارات وتوجيه العقوبات المتصاعدة حتى عام 2013، عندما وقّعت إيران خطّة عمل مشتركة: مع الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، ونصّ الاتفاق على تجميد أجزاء مهمّة من برنامج إيران النووي (مثل تخفيض تخصيب اليورانيوم وإبعاد أجهزة الطرد المركزي عن التشغيل)، مقابل تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية تدريجياً، وصولاً إلى الاتفاق النهائي الذي وقِّع في عام 2015، وفرض قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني وممارسة رقابة دورية على نشاطات المنشآت النووية، وحصلت إيران على رفع تدريجي للعقوبات الأميركية، الأمر الذي أتاح لها بعض الانفراج الاقتصادي.

لم يشمل الاتفاق برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، ولا نشاطات إيران في الإقليم، بل اعتبرت إيران هذا الاتفاق يطلق يدها في الملفين. ومنذ توقيع الاتفاق، زاد نشاطها بقوة في المنطقة، فقد ضاعفت دعمها نظام الأسد الذي حقق حينها تقدّماً واضحاً على قوى المعارضة، وبدأ باسترجاع كثير من أراضٍ كان قد خسرها، وتحول حزب الله إلى “غول” بتوسيع مشاركته إلى جانب نظام الأسد، وسيطر على قطاعات كبيرة من الحدود اللبنانية مع سورية، وكثّف وجوده في الجنوب، وحقّق انتصاراً سياسياً في الداخل اللبناني بنجاحه بفرض ميشال عون رئيساً للبنان في 2016، واستغلت إيران توقف نشاطها النووي ليشهد برنامجها للصواريخ البالستية انتعاشاً كبيراً، فأعلنت تطوير صواريخ شهاب وقدر وخرمشهر التي يصل مداها إلى ألفي كيلومتر، وتوّجت هذه التطورات بإطلاقها عام 2017 صواريخ بالستية من أراضيها نحو سورية، ادّعت أنها ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

من الواضح أن الولايات المتحدة تفضّل تجنّب الحرب مع إيران. وفي المقابل تريد الأخيرة منزوعة الأنياب والأظفار، ولن يقبل ترامب الذي قال إنه يعتزم التحدّث مع إيران، بأقل من ذلك. وأمام نظامها خيار واحد إن أراد البقاء، التخلي عن الصواريخ النووية بشكل كامل وعن برنامج تمويل المليشيات. ويمكن لترامب أن ينتظر بعض الوقت، مع التلويح باليد القوية. والسؤال الجوهري: إلى متى؟ بحسابٍ بسيط، بقي من ولاية ترامب حوالى ألف يوم، ولا بد أن ينتهي كل شيء قبل أن تنقضي هذه المدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...