بقايا الأسد وموسم التسريبات

إيطاليا تلغراف

 

 

 

فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية

 

 

 

سقط نظام الأسد في سورية بشكل مفاجئ وخاطف، كأنّه سفينة غارقة هرب طاقمها في لحظة واحدة، تاركاً خلفه مدناً فارغة من أيّ أثر لمسؤول كبير. أُخليت المواقع العسكرية والأمنية الرئيسة، حتى تلك الثانوية ومن الدرجة الثالثة، ودخل رجال العهد الجديد دمشق ليجدوها فارغةً من رموز السلطة. فرّ أفراد النظام بسرعة قياسية بعد أن فهموا أن اللعبة قد انتهت، ولم يعد بالإمكان إدارة الكارثة أكثر من ذلك، وأن الثقوب في الوعاء أصبحت أكبر من أن تتحمّل قطرةً إضافية.
كانت عملية نقل السلطة سريعةً، رافقها شعورٌ بالظلم لدى الضحايا الذين عانوا سنين طويلةً من القتل والتهجير والألم، من دون أن يروا العدالة تقتصّ من الجناة الهاربين الذين تركوا خلفهم ما لا يمكن حمله. وكشفت الأيام اللاحقة أن المجرمين كانوا مستعدّين لهذا اليوم، ومحتفظين بحساباتٍ بنكيةٍ وأموالٍ في الخارج، رغم صعوبة ذلك بسبب العقوبات الدولية، لضمان ألا يفقدوا ما اعتادوه من تفاصيل الحياة الفارهة.
ورافقت الذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد شلّالاتٌ من التسريبات التي انهالت في دفعاتٍ كبيرة، وفي صور وتسجيلات صوتية ووثائق، تكشف خبايا شخصيات رجال النظام، الذين ظهروا كما هم: شرهون للسلطة والمكاسب، متعطّشون للدماء، يحملون غلّاً عميقاً تجاه سورية، وغير مكترثين بحياة البشر.
أظهرت التسريبات التي بثّتها قناة الجزيرة أخيراً مخطّطات فلول النظام لزعزعة الاستقرار، وتواصلهم مع جهات اعتقدوها إسرائيلية، وإشادتهم بصراحة بجرائم الحرب في غزّة. وسبقتها تسريباتٌ أخرى من قناة العربية في الشهر الماضي (ديسمبر/كانون الأول) تُظهر بشّار الأسد ولونا الشبل في محادثات خاصّة يسخران فيها من السوريين، ومن حلفائهم، ومن رموز النظام نفسه.
ومن الشخصيات التي تناولها الأسد والشبل بالسخرية اللواء سهيل الحسن، الملقّب بـ”النمر”، وهو رجلٌ كان له حضور إعلامي لافت، تميّز من خلال مجموعة مقابلات تلفزيونية أجراها، وعباراته الغريبة التي أصبحت تتكرّر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتنفع لاستخدامها بشكل ساخر في الدراما التلفزيونية. ونُسجت أقاويل حوله اتخذت شكل حكاية، أو حكايات، مترافقة مع صور تظهره واقفاً ومتحدّياً وعابساً، وفي معظم الأحيان متّخذاً وضعاً جادّاً كأنه فيلسوف. كانت هذه الشخصية تحظى بـ”حبّ” جارفٍ من مؤيّدي السلطة السابقة، وكانوا عمداً ينفخون في هيكله المتضخّم ليزيدوا من مكانته في المشهد. لكنّه كان مجرّد وجه آخر للنظام بأبشع صوره: يتصنّع الحكمة، ويحكي جملاً فارغةً وجوفاء. … ظهر الحسن في التسريبات الصوتية أخيراً متملّقاً، ويطلب دعماً مباشراً من إسرائيل، “العدو التاريخي” لنظام الأسد، الذي كان “النمر” أحد مخالبه.
لم تكن هذه التسريبات، من حيث المعنى، مفاجئة للسوريين؛ إذ يبدو أنهم كانوا يعلمون أن النظام مجرّد مقامر يتاجر بالقضايا، ويستغلّ ما يجده في طريقه. لكنّ ما اتضح أن رجالات النظام، بعد فرارهم إلى روسيا ولبنان وأماكن أخرى، لم يتوقّفوا عن المؤامرات، وما زالوا يحاولون إعادة ترتيب صفوفهم والبحث عن دعم خارجي، من أيّ جهة كانت، من دون إضاعة وقت للتثبت من جدّية الجهة الداعمة. ويعني ذلك أن التسريبات التي لم تكشف حقيقة رموز النظام أمام السوريين، بل ذكّرتهم بأن عليهم الحذر ممّا يُحضَّر في الخفاء.
أمّا الأرقام التي انتشرت عن آلافٍ مستعدّين لخوض معارك جديدة في الأرض السورية، من الفلول وغير الفلول، فزادت شعور الضحايا بالظلم، مع إحساسهم بأن تأجيل العدالة لم يكن في مصلحة أحد، وأن التسامح مع المجرمين يُسهّل ارتكاب جرائم جديدة. وكما جرت العادة خلال محاولة مواجهة العتمة، حاول كثير من الضحايا مقابلة الأمر بالسخرية المُرّة من الطرافة الناجمة عن التناقض والغباء اللذَيْن يظهران في شخصية “النمر”، ومموّله رامي مخلوف، المتمسّكين بحلم السلطة. ولا يمكن لأحدهما الوثوق بالبيانات التي يقدّمها الآخر، لكنّه يثق بمكالمةٍ من مجهولٍ قال إنه ضابط إسرائيلي كبير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...