فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
حاز تعامل إدارة الرئيس أحمد الشرع مع ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عسكرياً وسياسيّاً، قبولاً واسعاً، ولم تُخفِ بعض الجهات العالمية إعجابها بما حدث على الأرض، بعد تخفيف المواجهة بالسلاح إلى الحد الأدنى، وترجيح معالجة الأمر بالسياسة التي أبدت فيها كل الأطراف مرونة كافية للتوصل إلى الاتفاق… تقلصت سيطرة القوات الكردية فبقيت ضمن محافظة الحسكة، مع حضور لافت لإدارة دمشق في المحافظة وملاحظة وجود مسؤولين من وزارة الدفاع السورية. استبق الشرع المواجهة التي كانت محتملة بمرسوم أعطى تعريفاً كافياً لعلاقة الكرد بسورية، فأقرّ بحقوقهم كاملة وبمكانتهم داخل النسيج السوري الوطني، الأمر الذي يعطي الفرصة لتمكين الكرد وطنياً، ويحل مشكلة أمنية عويصة لسورية كلها، بعد أن كانت “قسد”، باسم قضيتهم، تحتل ثلث التراب السوري، بما فيه مصادر المياه الضخمة، والأراضي الزراعية الواسعة، وكذلك منابع النفط والغاز اللازمة لتشغيل الآلة الصناعية السورية المتعطلة منذ أكثر من 15 عاماً.
عندما يخبو صوت السلاح يتقوّى صوت السياسة، ويتهيأ المناخ الاقتصادي، وهذا بالفعل ما ظهر بعيد الاتفاق بقليل، حيث رعى الجانب الأميركي اتفاقاً يمكن أن يكون علامة في تاريخ الاقتصاد السوري، بتوقيع مذكرة تفاهم للتنقيب عن النفط في المياه الشاطئية للبحر الأبيض المتوسط، وقد وقعت المذكرة الحكومةُ السورية، وهي الطرف الرسمي الذي يملك الحقوق الوطنية للنفط والغاز في سورية، ومهمّتها التنسيق بين الشركاء وشركة شيفرون الأميركية، الشريك التقني الدولي المسؤول عن الاستكشاف والتنقيب وفق خبرة عالمية، وشركة الطاقة الدولية القابضة القطرية بصفتها الشريك الاستثماري الذي سيدعم المشروع اقتصادياً وتقنياً. يستند هذا الاتفاق إلى دراسات سابقة وكثيفة، قامت بها جهات عالمية عديدة في ساحل المتوسط الشرقي، وقدّمت معلومات ذات مصداقية عن أن مياه المتوسط تخفي ثروة غازية ونفطية معقولة، وقد بدأت إسرائيل بالفعل محاولة الاستثمار في السواحل المقابلة لها.
يمكن لهذا التفاهم أن يفضي إلى كشوفات تؤدي إلى تدفق مالي كبير في سورية، وهو مفتاح مهم نحو مستقبل مختلف، وتوقيع اتفاق من هذا النوع مع شركة أميركية عملاقة يمكن أن يفتح باب الاستثمار واسعاً نحو السوق السورية، بما يعني أن مخاوف عودة العنف وأصوات المعارك على مختلف الجبهات قد تخفت إلى الحد الأدنى، فيما واحدة من أضخم شركات الطاقة العالمية ترسل خبراءها وفنييها وأجهزتها الخاصة إلى سورية دون خوف. تحتمل السوق المحلية استثماراتٍ كبيرةً في مجالات النفط، فهذه البنية قد تضرّرت بشدة على مدى الـ 15 عاماً، وحتى قبلها لم تستثمر كما يجب، وهذا القطاع بحاجة إلى إجراءات عاجلة وشاملة لإعادة دمجه بالاقتصاد السوري، وهو مجالٌ واعدٌ يمكن أن يغري أكثر من شركة للدخول، ما يدعم الاقتصاد المحلي بقوة، وهذا ما تبحث عنه الحكومة السورية، ويشكل هدفاً أساسياً من أهداف الشرع الذي وضعه أمامه منذ اللحظات الأولى لدخول دمشق.
الاتفاق في هذا الظرف بالذات، ولو أنه بالخطوط العريضة الأولية، يعكس ارتياحاً دولياً كبيراً، ويشيع طمأنينة داخلية، ويعزّز العلاقة المميزة مع الولايات المتحدة، ويقدم خطوة عملية بعد رفع العقوبات عن سورية، ودخول شركة أميركية تذهب حيث تتجه السياسة الأميركية، على ما قال المبعوث توم برّاك، دليلاً على ذلك، وإشارة إلى أن الموقف الأميركي من سورية ذو مدى طويل ولن يتغير بتغيّر الإدارة الأميركية لاحقاً، ويمكن لمشروع ضخم من هذا النوع أن يفتح مجالاً للعمل على بنية تحتية تخدم المشروع ذاته، وهي قيمة اقتصادية جانبية تصبّ في المصلحة النهائية على طريق نهوض سورية الاقتصادي، ويتبقى أن تسوّى كل النقاط التي ما زالت عالقة، سواء في الجنوب أو في ما تبقى من المنطقة الشمالية، بما يعطي ارتياحاً أكبر وجرأة أوسع لرأس مال جديد بالدخول، وهو بالضبط ما تعنيه “المرحلة الانتقالية” لحكومة تعزّز لاستدامة اقتصادية وسياسية آمنة على مدى طويل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





