باحثة مغربية تقارب ” صمت الإدارة ” في منح رخص البناء لتفادي الكوارث العمرانية.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

نبيل التّويول – إيطاليا تلغراف

 

 

في الوقت الذي بات فيه المغرب يعيش على إيقاع تحولات مناخية قاسية تتجسد في فيضانات موسمية وانهيارات متكررة للبنايات بعد التساقطات الغزيرة، وكذا ما كشف عنه زلزال الحوز، بشكل مؤلم، عن هشاشة جزء من النسيج العمراني المغربي وعن اتساع الفجوة بين ما يفترضه القانون وما ينتجه الواقع، تبرز أصوات بحثية شابة تحاول أن تتجاوز لغة الشكوى إلى لغة التحليل والتشخيص والاقتراح، ومن بين هذه الأصوات اسم الباحثة فاطمة مسعودي، التي اختارت أن تشتغل، بوعي أكاديمي، على إحدى أكثر النقاط حساسية في علاقة الدولة بالمواطن داخل مجال التعمير، وهي مبدأ سكوت الإدارة المعتبر بمثابة موافقة، متخذة من رخصة البناء نموذجا لفهم كيف يمكن لإجراء إداري بسيط، في ظاهره، أن يتحول إلى مفصل حاسم بين عمران آمن وعمران هش، وبين دولة تيسر الاستثمار، ودولة تترك الباب مفتوحا لتراكم المخاطر تحت غطاء صمت الإدارة.

فاطمة مسعودي، وهي حاصلة على إجازة في القانون العام وتتابع دراستها في سلك الماستر في التدبير الإداري والمالي العمومي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، لا تنتمي إلى تلك الفئة التي تكتب بحثا أكاديميا لتستوفي شرطا جامعيا فحسب، بل تبدو في مشروعها العلمي وكأنها تراهن على إنتاج معرفة قانونية ذات بعد استراتيجي، قادرة على إعادة مساءلة المساطر الإدارية نفسها، وعلى تفكيك ما يمكن وصفه بـ”المنطقة الرمادية” التي تنشأ حين تلتزم الإدارة الصمت، فلا تمنح الترخيص صراحة، ولا ترفضه بقرار معلل، فيبقى المواطن بين خيارين متناقضين: إما انتظار مجهول قد لا يأتي، أو الشروع في البناء تحت ضغط الحاجة، ليكتشف لاحقا أن الصمت الذي اعتبره موافقة تحول إلى عبء قانوني و مسؤولية جسيمة إذا ما وقع انهيار أو ثبت خرق للضوابط التقنية الجاري بها العمل.

وتكمن القيمة الجوهرية لهذا البحث في كونه يعالج قضية تتجاوز ظاهرها الإداري لتلامس عمق السياسات العمومية، إذ يوضح أن التعمير ليس مجرد تصاميم هندسية وخرائط تنظيمية، بل هو في جوهره ممارسة للدولة عبر القانون، وأن الرخصة ليست ورقة شكلية بل هي لحظة مراقبة، ومسؤولية، وقرار يحدد مستوى الأمان الذي ستحمله الجدران فوق رؤوس الناس، ولذلك فإن تحويل سكوت الإدارة إلى موافقة، كما جاء به القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، لا يمكن أن يكون مجرد تقنية لتسريع المعاملات، بل يجب أن يكون جزءا من هندسة حكامة دقيقة، وإلا تحول إلى ما يشبه “تفويض غير معلن” للفوضى العمرانية، أو إلى تواطؤ غير مباشر يساهم في إنتاج الهشاشة بدل محاصرتها.

ومن هنا تتقدم الباحثة في بحثها بمقاربة تتسم بالرصانة، حيث تعالج مفهوم الرخصة الضمنية ليس باعتبارها امتيازا للمواطن أو عقوبة للإدارة، وإنما باعتبارها آلية قانونية ينبغي أن تخضع لشروط صارمة من أجل تحقيق التوازن بين حق المرتفق في الحصول على خدمة إدارية داخل أجل معقول، وبين حق المجتمع في حماية العمران من البناء غير المراقب، خصوصا في مناطق تعرف ضغطا ديمغرافيا أو توسعا غير مهيكل، وهو ما يجعل من سؤال “صمت الإدارة” سؤالا عن الدولة ذاتها: هل هي دولة قرارات أم دولة تترك الواقع يصنع نفسه خارج النصوص؟

غير أن ما يمنح مشروع فاطمة مسعودي بعدا استثنائيا، ليس فقط زاويته القانونية، بل تلك القدرة التي تمتلكها على الجمع بين البحث الأكاديمي والعمل الصحافي، بحكم تجربتها كصحافية وكاتبة محتوى ومهتمة بالتواصل الرقمي، حيث اشتغلت في تحرير المقالات وإنتاج المواد الإعلامية وإدارة منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يجعلها قادرة على ترجمة الإشكالات القانونية الثقيلة إلى خطاب مفهوم لدى الرأي العام، دون أن تفقده دقته أو عمقه، وهي معادلة نادرة في السياق المغربي، إذ غالبا ما ينفصل الباحث عن الإعلام، كما ينفصل الصحافي عن القانون، فتضيع الحقيقة بين لغة الخشب.

وتبدو الباحثة، من خلال هذا المسار المزدوج، وكأنها تراهن على الصحافة باعتبارها امتدادا للجامعة، لا باعتبارها منصة خبرية، بل أداة لإنتاج وعي جماعي، ولتحويل الإشكالات التقنية التي تعيشها الإدارة إلى سردية وطنية تفرض نفسها على صناع القرار، لأن أزمة التعمير، كما أظهرت الأحداث الأخيرة، لم تعد أزمة قوانين مكتوبة فقط، بل أزمة تنزيل، وأزمة مراقبة، وأزمة مسؤولية، وأزمة تنسيق بين الجماعات والوكالات الحضرية والمصالح التقنية والسلطات المحلية، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال محوري: كيف يمكن للبلاد أن تراهن على نموذج تنموي طموح إذا كانت الأرض التي يبنى عليها المستقبل لا تزال تتعرض للتصدع بسبب صمت الإدارة المريب؟

ولأن البحث لا ينفصل عن المقارنة، فإن فاطمة مسعودي تستثمر التجربة الفرنسية في موضوع “سكوت الإدارة” باعتبارها نموذجا تشريعيا سبق المغرب في تنظيم هذا المبدأ، لكنها لا تتعامل معها بمنطق النقل، بل بمنطق الاستلهام، حيث تحاول إبراز أن نجاح فرنسا في ضبط هذا المفهوم يعود إلى وجود بنية مؤسساتية واضحة، وآليات توثيق قانونية دقيقة، ومساطر إلكترونية تسمح بتحديد الآجال والمسؤوليات، في حين أن السياق المغربي، رغم تطوره، ما يزال يعاني من تفاوتات مجالية كبيرة، ومن ضعف توحيد الممارسة الإدارية بين القروي والحضري، وهو ما يجعل إدخال الرخصة الضمنية دون ضمانات تقنية صارمة مخاطرة قد تدفع البلاد ثمنها في الأرواح والممتلكات قبل أن تدفعها في المحاكم

وهكذا يصبح البحث، في عمقه، ليس مجرد معالجة لمبدأ قانوني، بل معالجة لفكرة أوسع: حين تصمت الإدارة فإنها لا تصمت فقط عن ملف، بل قد تصمت عن مسؤولية وطنية كاملة، لأن البناء الذي لا يخضع لمراقبة دقيقة، أو الذي يستفيد من فراغ المسطرة، قد يتحول في أول هزة أرضية أو في أول موجة أمطار إلى مأساة جماعية، وهو ما يضع الدولة أمام سؤال الشرعية الأخلاقية والقانونية، قبل سؤال الشرعية الإدارية، فالمواطن الذي ينهار منزله لن يسأل عن رقم المادة القانونية، بل سيسأل: أين كانت الإدارة حين كان البناء يتشكل؟ وأين كانت حين كانت الرخص تتعثر بين المكاتب؟ وأين كانت حين أصبح الصمت الإداري بمثابة موافقة هو سيّد الموقف ؟؟

و انطلاقا من هذا المنظور، تكتسب مساهمة الباحثة أهميتها لأنها تتقاطع بشكل عميق، مع الرؤية الشاملة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يؤكد في خطبه وتوجيهاته السّامية على ضرورة تحديث الإدارة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجاوز العراقيل البيروقراطية، وتحقيق العدالة المجالية، والارتقاء بالخدمات العمومية بما يضمن كرامة المواطن ويصون حقه في التنمية والعيش الآمن، وهي مرتكزات لا يمكن أن تتحقق في قطاع التعمير إلا إذا انتقلت الإدارة من منطق التدبير الورقي البطيء إلى منطق القرارات الواضحة والرقابة الاستباقية، و مناهضة الصمت الذي يفتح باب التأويل إلى منطق الشفافية الذي يغلق أبواب المخاطر قبل وقوعها.

ومن هنا يمكن القول إن فاطمة مسعودي لا تقدم مجرد بحث أكاديمي حول الرخصة الضمنية، بل تقدم مشروعا فكريا وإعلاميا قابلا للتطوير، لأنه يفتح نقاشا من النوع الذي يحتاجه المغرب اليوم: نقاش يربط بين القانون والسلامة العامة و المساطر الإدارية وحماية الأرواح، وبين مسؤولية الإدارة ومسؤولية الدولة في إنتاج عمران يحترم الإنسان قبل أن يحترم الخرائط والصورة البصرية.

وإذا كانت الجامعة المغربية مطالبة بدعم هذا النوع من المشاريع، فإن الإعلام المغربي والدولي مطالب بدوره بإعطاء مساحة لهذه الكفاءات الشابة التي تملك القدرة على تقديم المعرفة بشكل مبسط دون تبسيط مخل، وعلى نقل القضايا الإدارية من هامش النقاش إلى مركز الاهتمام، لأن البناء ليس شأنا تقنيا محضا، بل هو مرآة لعلاقة الدولة بمواطنيها، وحين تصبح هذه المرآة مكسورة، فإن أول ما ينهار ليس الإسمنت، بل الثقة.

و تبدو فاطمة مسعودي، بما تملكه من تكوين قانوني رصين، وتجربة صحافية واعدة، وإرادة صميمية في صناعة أثر حقيقي، نموذجا للباحث المغربي الجديد الذي لا يكتفي بتحليل النص، بل يسعى إلى تحويله إلى سؤال عمومي، وإلى جعل المعرفة أداة ضغط إيجابي من أجل الإصلاح، وهو ما يجعل من مشروعها العلمي مادة تستحق التتبع والدعم، ليس فقط لأنها تعالج موضوعا راهنيا، بل لأنها تضع إصبعها على الجرح الحقيقي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...