قصتي العجيبة مع سان فالنتين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د سعيد كفايتي

 

 

لم أكن أعرف لا سان فالنتين، ولا عيد الحب، ولا تاريخ الاحتفال به. قد يكون هذا تقصيرا مني. وأنا أتحمل بشكل كامل تبعات هذا الجهل المُطبق.  جهل كلفني يوما بكامله لإرضاء زوجي التي صبت جام غضبها علي، واستنكرت أن أكون منغلقا على نفسي، ومعقدا إلى درجة نسيان يوم عظيم مثل 14 فبراير، ورأت في ذلك تصغيرا من شأن المرأة، وإذلالا لها، وتقليلا من قيمة الحب. ورغم أني ضليع في المناقشات الفلسفية والسفسطة، وعلى قدر لا بأس به من مهارة السماسرة في الثرثرة فإني لم أستطع، مع ذلك، مجاراتها في الحوار والمحاججة، فرفعت، منهزما راضيا بما قدر الله لي، راية الاستسلام. ولم يكن أمامي حينئذ من طوق نجاة سوى الإسراع نحو المركز التجاري واقتناء دب أحمر وقلوب حمراء من أحجام مختلفة وحلويات وهدايا. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار عدة سنوات، أصبحت صديقا وفيا لسان فالنتين، لا أُفوت أبدا فرصة الاحتفاء به.  لكن هذه السنة خطر ببالي أن أضرب عن الاحتفال بعيد الحب.  لا أدري ما الدافع إلى ذلك. ربما أصبحت أكثر نضجا، وأكثر حكمة. ولاحظت أن زوجي تقاسمني أيضا هذا النضج، بل كانت كثيرا ما تنتقد بعض المظاهر الاجتماعية بجرأة أكثر مني.  لهذا في صباح يوم 13 فبراير، وقبل أن أخرج من المنزل قاصدا إحدى المقاهي، أخرجت الرسالة التي كنت قد كتبتها ليلا، واستغرقت مني وقتا طويلا، ووضعتها بعناية شديدة على مقربة من السرير حيث كانت زوجي مستغرقة في النوم أو هكذا تخيلت. كنت فرحا ومبتهجا من هذا الإنجاز الكبير، منتفخا كديك رومي، مستعجلا لقاء الأصدقاء لكي أحكي لهم بكثير من الفخر والبطولة الطريقة العجيبة في التخلص من سان فالنتين.

 افتتحت الرسالة بعد البسملة بما يلي: حبيبتي آثرت أن أكتب لك هذه الرسالة، ولي اليقين، كل اليقين، أنك بعد قراءتها ستُغيرين إلى الأبد نظرك لعيد الحب. وهذا ما ورد في الرسالة:

«كان الحب في الماضي يُعبر عنه بقلب محفور على جذع شجرة، ويشقه في الوسط سهم طائش، وقد يحمل من باب السرية الحروف الأولى من اسمي العاشقين المتيمين، فُيكتب لهذا الشاهد الحي، على مر الأيام والليالي، الخلود، وقد ينزوي العاشق في ركن قصي من البيت، بعيدا عن أعين المتطفلين، ويجد نفسه وجها لوجه أمام ورقة بيضاء ناصعة، ويبدأ في رحلة البحث عن أجمل التعابير ليخط بيد مرتجفة يعتصرها الارتباك رسالة قد تصل إلى المحبوبة، فتنفرج أساريره فرحا وبهجة، وقد لا تصل فيكون مصيرها الاختباء في درج مهمل.  وإذا كان العاشق يمتلك قدرا من الجرأة والشجاعة فإنه يترصد المعشوقة في إحدى الأزقة الآمنة، وذلك بعد أن يكون قد درس مواقيت دخولها وخروجها من منزل والديها، وآنذاك يُخاطر بتعقبها، ويغامر بالحديث معها همسا، إذا رأى نوعا من الاستجابة، وُيهديها وردة. ويقضي اليوم كله في حالة انتشاء. أما إذا أبدت نفورا منه، فإنه يعود من حيث أتى منكسرا مهزوما كأنه خسر حربا كان يأمل أن ينتصر فيها.

أما اليوم فكلمة حب ومرادفاتها فقدت الكثير من بريقها، وأصبحت قصص عنتر وعبلة وجميل وبثينة وروميو وجولييت وغيرها جزءا من الماضي الغابر، والتي قد لا تُذكر إلا للتندر. والكثيرون من الجيل الجديد لا يعرفون مثل هذه القصص، وحتى إن عرفوها فإنها لا تغريهم بالاطلاع عليها.  والوردة التي كانت تنبض بالحياة تحولت إلى مادة لدنة لا روح فيها، ثم مسخت إلى مجرد أيقونة تملأ شاشات الهواتف النقالة والحواسيب.  أما العاشق الولهان فما عادت يداه ترتجفان، وهو يكتب رسالة، قد تصل وقد لا تصل، بل يكفي الآن أن يعهد بهذه المهمة الخطيرة إلى الذكاء الاصطناعي ليقترح عليه ما شاء من النماذج، وله بعد ذلك أن يختار ما يناسب ذوقه. عملية نقل ولصق وإدخال اسم الحبيبة وينتهي الأمر في رمشه عين، وتصل الرسالة سالمة دون حواجز ولا حدود.  أما القلب الذي كان يُحفر على جذع شجرة، وكان يُوجه إلى شخص بعينه، تعبيرا عن لوعة العشق، ولظى الشوق فتناسلت أعداده، وصرنا أمام قبيلة من القلوب في مختلف الأحجام والألوان، وانتهُكت حرمتها، وتلاشت رمزيتها، بحيث بمجرد الضغط على شريط التمرير تظهر أمامك العشرات من الأيقونات، ولك أن تبعثها إلى من شئت، ومن تتلقاها قد لا تعدها تعبيرا عن حب وقد لا تعيرها أي اهتمام. نحن نعيش زمنا تحولت فيه، على مرأى ومسمع منا، الكثير من القيم، والأدهى من ذلك أنها تسللت إلى عقر بيوتنا وتسربت إلى عقولنا، وتعايشنا معها رغم أنفنا. فهل نحن قادرون فعلا على التصدي لمثل هذه التحولات المتعاقبة؟ 

لقد فقد القلب، ذلك الرمز العريق، هويته الأصلية حين تحوّل، في غفلة عن أعيننا، من علامة على الحب الصادق إلى مجرد إشارة عابرة للإعجاب في فضاءات التواصل الاجتماعي. ومع هذا التحوّل، ظهر عيد الحب كتعويضٍ بئيس عن ذلك الفراغ، لكنه عجز عن استعادة المعنى الذي حفره الحب في ذاكرة الأجيال السابقة. ففي الماضي، لم يكن الحب مرتبطا بيوم محدد أو مناسبة عابرة، بل كان عيدا أبديا يُعاش في تفاصيل الحياة اليومية، حلوها ومُرها، ويتجلى في الزواج، وطول العشرة، والصبر على الأزمات، وقوة التحمل التي كانت أعظم الهدايا التي يتبادلها المحبون. أما اليوم، فقد أصبح التعبير عن الحب محاطًا بالمظاهر المادية، وكأن الجوهر لم يعد كافيًا وحده، فغابت البساطة التي كانت تمنح الحب صفاءه، وحلّت محلها قوالب استهلاكية تُختزل فيها المشاعر العميقة. وهكذا، صار الحب في زمننا المعاصر صورة باهتة وشاحبة أمام نقاء الماضي، حيث كان العطاء والوفاء هما اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى رموز أو مناسبات».

بمجرد وصولي إلى المقهى حيث كان الأصدقاء في انتظاري في ركن قصي، شرعت بكثير من الاعتزاز بالنفس، والتباهي ببعض بطولاتي في إخبارهم بالإنجاز الكبير الذي حققته هذا اليوم. كانوا يُحدقون بي منبهرين، ويصغون إلى كل كلمة تخرج من فمي.  لكن فوجئت بأن الهاتف بدأ يرن بعناد كبير، وكاد أن يخرج من جيب معطفي الشتوي، شعرت في تلك اللحظات بقشعريرة تسري في جسدي، فتحت الهاتف: كانت يا للهول زوجي، تصرخ بصوت مرتفع وصلت أصداؤه إلى جنبات المقهى: شكون لي كالها ليك؟ مع من تشاورت؟ حتى عيد الحب مخلتوش في التيقار؟  انسحبت مرعوبا، منكسرا، ذليلا. وما أن تجاوزت باب المقهى بخطوات حتى أطلقت ساقي للريح لا ألوي على شيء.

ملحوظة: هذا كان مجرد حلم. حينما استفقت من النوم، وفتحت عيني على سعتهما لم أجدها إلى جانبي. استغربت. ولم أخرج من حالة الذهول إلا لما اكتشفت أنها سبقتني إلى المكتب، وقد وضعت قبالتها فنجان قهوة وشاشة حاسوب، وأكواما من الكتب…كانت منهمكة في إعداد درس في تاريخ الأديان، والغريب في الأمر أنها  لم تكن على علم بهذا اليوم أصلا…

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...