أ.د. السهلي بلقاسم.
” نشأت في عائلة ثرية / ألبسني أهلي ثياب أنيقة وربطة عنق.
وربوني على عادات التخديم/ وعلموني فن إعطاء الأوامر …..
لكن عندما كبرت وتطلعت حولي / لم يعد يعجبني أبناء طبقتي
ولا إعطاء الأوامر ولا التخديم / تخيللت عن طبقتي وانتميت إلى الفقراء …”
بهذه القصيدة النثرية أعلن “برتولد بريشت” قطيعته مع المجتمع البرجوازي الذي ترعرع فيه ، ولد “بريشت” في 10 فبراير سنة 1898م في مدينة ” اوغسبورغ ” عمل والده مديرا لأحد مصانع الورق ، وكان متمردا منذ الطفولة ، احتقر طريقة عيش الطبقة البرجوازية ، فلم يكن المجتمع البرجوازي بالنسبة إليه ، غير مجتمع أو عالم ثري ، يخلو من الرشاقة والجمال.
نشر أول قصائده الاستفزازية، في الصحف اليسارية وهو في سن 16 حصل على شهادة الثانوية العامة سنة 1916م وانتسب “بريشت” إلى جامعة ميونخ لدراسة الطب، لكنه سرعان ما استدعي للخدمة العسكرية، فقطع دراسته، وخدم في مستشفى عسكري. وهنالك استشعر فضائع الحرب العالمية الأولى و مآسيها، فتركت أثارها في نفسيته المتمردة، مما دفعه إلى الكره الشديد للحرب وللجندية، رسخت لديه الجندية الإيمان الكلي بالحلول السلمية، ورفضه المطلق لكل تعصب ديني أو عرقي أو قومي .
في خضم هذه المشاعر المأساوية، نشر قصيدته ” أسطورة حديثة” المعادية للحرب….
عندما جثمت المساء في ميدان المعركة
كان الأعداء قد هزموا / نقلت أسلاك التلغراف الخبر
اضطرم في طرف العالم / عويل اصطدام بقبة السماء
صراخ تدفق من أفواه مستعرة / سكرا بالجنون / تصل حتى السماء
تشحب آلاف الشفاه من كثرة اللعنات.
وفي الطرف الأخر من العالم /اصطدام على قبة السماء / الهتاف والبهجة …
وفي الثلث الأخير من الليل /غنت أسلاك التلغراف
عن الموتى الدين ضلوا في ميدان المعركة.
هنا عما السكون لدى الأصدقاء والأعداء
لم يبكي أحد سوى الأمهات
هنا وهناك..
الهجرة إلى الإبداع …
وما أن وضعت الحرب أوزارها، حتى غادر “بريشت ” إلى “ميونغ” لمتابعة دراسته في الطب، وبسبب نتائج الحرب المدمرة، عاش حياة بوهيمية، كان يقضي أغلب أوقاته في مقهي “شتيفاني” المقهى الذي كان يعتبر ملتقى للأدباء والفنانين والمفكرين الألمان، منهم “بوهان يبشر” و” لوديفيج فويشتنفانجر ” و”كارل فلانتين”. كان “بريشت ” في ليالي ميوتخ الباردة يشاهد المسرحيات المعروضة في المدينة، بعدما اقتنع بقوة المسرح وقدرته على التأثير، فترك دراسة الطب، وتفرغ للمسرح والشعر والأدب.
في سنة 1918م كتب “بريشت” أول مسرحياته الملحمية، “طبول الليل” عن ثورة “سبارت اكوس” وقد عرضت هذه المسرحية في ميونخ، وحققت نجاحا باهرا، حصل من خلالها “بريشت” على جائزة ” كلايست ” التي تمنح لأفضل موهبة مسرحية. بعد هذا النجاح انتقل إلى برلين عام 1924م التي يعتبرها مدينة القرن العشرين، فقد كانت برلين مركز الحركة السياسية والفنية، وفيها تعرف ” بريشت ” على كبار المخرجين. المسرحين مثل” إرفن بيسكاتور ” الذي تأثر بنظريته حول المسرح الملحمي، وبالرغم من الحياة الثقافية التي كانت تعيشها برلين، إلا أنه بسبب التطور السريع للحضارة الإنسانية، كان يعتبرها المدينة المليئة بالقسوة والألم، كما صورها في مسرحيته الشعرية “صعود وأفول ” مدينة “ماها جوني” التي نشرت سنة 1928م
في هذه المدينة / أين ما ذهبت.. / لا جدوى لك.
أين ما كنت../ لا مفر لك
الأفضل أن تبقى جالسا وتنتظر النهاية …
في برلين أيضا ازداد إيمان “بريشت” بالفكر الماركسي، الذي كان يعتبره المنقذ للعالم، فقد كان يعتقد، بأّن النظريات الماركسية هي الطريقة العملية الوحيدة، لتغير الأوضاع الاجتماعية للطبقة الكادحة، وتحقيق مجتمع عادل. ولقد وظف “بريشت”. أدبه من أجل هذا الاعتقاد. كان يهدف من خلال أعماله الأدبية والمسرحية إلى خلق دراما علمية ماركسية تتيح فرصة عرض خلفية تاريخية اجتماعية للموضوع. ووفق هذا المنهج، كتب مسرحية “أوبرا القروش الثلاثة ” و” الموافق والرافض “و” القاعدة والاستثناء ” و”كاليلو ” عن حياة الكاتب كاليلو و”دائرة الطباشير القوقازية”.
مسرح التغريب…
لقد سعى من خلال مجموعة من أعمالة المسرحية الكبيرة، إلى تخليص المسرح الألماني من المؤثرات القديمة، بعد أن أدخل مجموعة من التقاليد المسرحية على المسرح المعاصر، كهدم الجدار الرابع، جدار الجمهور، الجدار الأمامي للمسرح، وهو الجدار الوهمي بين الممثل والجمهور. وأدخل مصطلح التغريب، الذي كان يقصد به، تغريب الحياة العادية، عند عرضها على المسرح، وجعلها مثيرة للدهشة والاهتمام، وباعثة على التأمل والتفكير. واستخدم أسلوب الوعظ بالتسلية، والتحريض السياسي بالسخرية الكوميدية، بعرض مواقف درامية غير مرتبطة في الزمان ولا المكان، كما في مسرحية “الخوف والبؤس في الرايخ الثالث” سنة 1938م. فقد كتبها بمشاهد متفرقة تصف الوضع العام في ألمانيا، القمع والطغيان والسوداوية، التي تنبأ بحدوث كارثة ما، كارثة الحرب العالمية الثانية …
أنتم يا من ستعقبون الطوفان
الذي غمرنا
حينما تتحدثون عن إخفاقاتنا
تذكروا كذلك
الزمن الحالك
الذي أفلتم منه
فقد مضينا نبدل بلدا ببلد أكثر مما نبدل حداء بحداء”
وبذلك عمل “بريشت” على التبديل والتحويل في المسرح من فن تقليدي ، إلى فن تحريضي وتعليمي ، أراد “بريشت” من المسرح أن يكون وسيلة تعليم ومتعة، فمع الدعوة إلى الثورة لابد من التسلية ! حسب وجهة نظره ، ومن هنا جاء تأكيده على عنصر الفكاهة والتجربة والموسيقى والأغنية والشعر في مسرحياته . فقد كان “بريشت” شاعرا قبل أن يكون مسرحيا كبيرا، وتميزت شاعريته بالبساطة والانتماء إلى الطبقة الاجتماعية الكادحة ، كان يشير إلى ذلك كلما أتيحت له الفرصة ، دائم التعبير كذلك عن مقته وكرهه للطبقة البرجوازية ، لذلك حاول “بريشت” أن يوجه خطابه الأدبي ، إلى اكبر شريحة ممكنة من المجتمع ، باستخدام لغة بسيطة ومباشرة ، في استرسال حر للكلمات ، مما جعله من أكثر الأدباء الألمان وضوحا، في كتاباته، فبالنسبة له “يجب على القضية أن تصيب القارئ بعدوى مناخها” أيا كانت القضية ، وأيا كانت الطريقة، التي يمكن التعبير بها عن القضية ، شعرا كانت أم مسرحا. لأن القصائد التي يستحسنها العديد من القراء ،هي ليست بالضرورة أن تكون جيدة ، قد تكمن جودتها الإضافية ، في روح التفرد وحب التمرد والخروج عن المألوف ، وهذا ما نلاحظه في قصيدته الشهيرة ” أنا ب.ب. المسكين ”
أنا ب. ب. المسكين..
أنا الظلمات السوداء..
حملتني أمي إلى المدن في أحشائها…
برودة الغابات ترافقني..
منذ البدء وأنا مزود بطقوس الموتى / بالجرائد والتبغ.
وفي النهاية أنا سيء الظن/ أنا كسول وقنوع.
أنا لطيف مع البشر.
أضع قبعة صلبة على راسي حسب تقاليدهم…
حين تحدث الزلازل الآتية حتما
أتمنى أن لا ينفد مني تبغ فرجينيا
أنا برتولت بريشت
قدمت إلى مدن الإسفلت .
أتيت من الغابات السوداء في بطمي أمي.
الهجرة إلى المنفى…
في سنة 1933م وبعد وصول هتلر إلى الحكم ، هاجر”بريشت” شأنه شأن العديد من الكتاب والمفكرين الألمان . وبدأت رحلته الادويسية في المنافي ، ببراك ثم فينا وزيورخ وباريس وموسكو، لتنتهي بالولايات المتحدة الأمريكية ، التي تعرض فيها للمضايقة ، بسبب انتقاداته المتعددة للحياة الاجتماعية. فلقد تميزت رحلة المنفى ، بالنضال ضد الحكم النازي ، وضد الرأسمالية ، والاهتمام بالعودة إلى ألمانيا. كان دائم الاستعداد للعودة للوطن ، حتى أنه رفض تعلم أية لغة أخرى . قدم “بريشت” مجموعة من الأعمال المسرحية ،التي اتسمت بموقفه من الفاشية والحرب والمنفى فكتب – الأم الشجاعة -… وقصيدته الشهيرة “خواطر حول المنفى”
لا تدق المسمار في الجدار.
إرمي الثوب فوق الكراسي
غطي وجهك بالقبعة عندما يمر البشر
لماذا التصفح في قواعد لغة أجنبية
النبأ الذي سيدعوك للعودة للوطن
حتما سيكون بلغة تعرفها.
العودة إلى مسرح برلين :
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ،عاد “بريشت” إلى برلين الشرقية ، ليساهم في بناء ألمانيا الجديدة ، وأسس مع زوجته الممثلة “هلينا فايجل” سنة 1949م مسرح برلين ، المعروف باسم “برلينز انسامبل” المسرح الذي لا زال قائما إلى الآن . ورغم ماركسية “بريشت”،إلا أنه لم ينتمي إلى الحزب الشيوعي ، وقد واجهته العديد من المصاعب ، لرفضه توظيف أدبه للدعاية للدولة والحزب ، فكان يحاول دائما ، أن يحل التناقض بينه وبين السلطة ، بطرق تحفظ له أرائه الخاصة . كان مفهومه للماركسية مثاليا ، وكانت تهمه الأمورالفنية الإبداعية والجمالية والقيم الأخلاقية أكثر من غيرها من الأشياء. فحصل بذلك على جائزة “ستالين” للسلام سنة 1954م. في أواخر عمره الأخيرة عاش “بريشت” بعيدا عن الأضواء واهتم بالحياة اليومية من حوله ، التي باتت بالنسبة إليه أهم من السياسة .
النظرة الأولى من النافدة في الصباح
العثور على كتاب قديم
نظرة مليئة بالإعجاب
الثلج / تعاقب الفصول
الجريدة/ الكلب / موسيقى قديمة
حذاء مريح.
الكتاب / السفر/ الغناء
ينبغي أن أكون لطيفا.

توفي الأديب والمسرحي الألماني “برتولت بريشت” يوم 14 غشت، سنة 1956م في برلين الشرقية، تاركا أكثر من 60 مجلدا ، تنوعت بين الشعر والمسرح والمقالة . وتحتفل ألمانيا في العاشرمن فبراير من كل عام بذكرى ميلاد رائد من روادها في الأدب والفكر و الفنون.





