نبيل التّويول / إيطاليا تلغراف –
في خضم النّقاش المتجدد حول أخلاقيات الصّحافة ودور التنظيم الذاتي في ضبط المهنة، يدافع يونس مجاهد رئيس المجلس الوطني للصّحافة المنتهية ولايته، عن طرحه، الذي يؤكد شرعية الدور التنظيمي الذي تضطلع به مؤسسات ضبط المجال الإعلامي في المغرب، وعلى رأسها المجلس الوطني للصحافة. غير أن هذا الطرح، رغم استناده الظاهري إلى مرجعيات سوسيولوجية وأخلاقية، يتجاهل جملة من الإشكالات البنيوية التي تحكم الحقل الإعلامي المغربي، ويقدم تصورا مبسطا لمسألة معقدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والمؤسساتية.
فالمسألة الأخلاقية في الصحافة ليست معزولة عن بيئتها الاجتماعية والمؤسساتية، وليست مجرد التزام معياري يمكن فرضه عبر آليات تنظيمية أو قرارات تأديبية. فالصحافة، في جوهرها، تقوم على توازن دقيق بين الحرية والمسؤولية، وحين يتم اختزال هذا التوازن في منطق الرقابة الأخلاقية المؤسسية، فإن ذلك يهدد بتحويل الصحافة من سلطة رقابية على المجتمع والسلطة إلى أداة ضبط اجتماعي، تمارس باسم الأخلاق المهنية.
ينطلق الطرح الذي يدافع عنه مجاهد من فكرة أن الصحافة، شأنها شأن الحرف المهنية التقليدية، تحتاج إلى مؤسسات تنظيم ذاتي ومحاكم شرف لضمان احترام قواعد المهنة. غير أن هذا التشبيه يفتقر إلى الدقة التاريخية والسوسيولوجية، إذ يغفل الاختلاف الجوهري بين بنية العمل الصحفي وبنية الحرف التقليدية.
فالصحافة لا تقوم على إنتاج مادي صرف، بل على إنتاج الخطاب وتشكيل السرديات، وهو ما يجعلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بعلاقات القوة داخل المجتمع. وفي هذا السياق، يشير الباحث في علوم الإعلام جون بي. طومسون إلى أن الإعلام الحديث لم يعد مجرد قناة لنقل المعلومات، بل أصبح فضاء لإعادة إنتاج السلطة الرمزية داخل المجتمع، وهو ما يجعل الحديث عن التنظيم الذاتي من زاوية أخلاقية صرفة طرحا قاصرا، لأنه يتجاهل الأبعاد السياسية والاقتصادية التي تتحكم في المجال الإعلامي.
يستند مجاهد في دفاعه عن مركزية الأخلاقيات المهنية إلى أعمال عالم الاجتماع إميل دوركايم، غير أن هذا الاستناد يبدو انتقائيا ومجتزأ. فدوركايم لم يكن يتحدث عن رقابة أخلاقية تفرضها مؤسسات مغلقة، بقدر ما كان يحلل الكيفية التي تتشكل بها القواعد الأخلاقية داخل الجماعات المهنية من خلال التفاعل الاجتماعي وتوازن المصالح داخل المجتمع.
كما أن التحولات التي عرفها المجال الإعلامي المعاصر تجعل من الصعب تصور الصحافة كجماعة مهنية مغلقة يمكن ضبطها عبر مؤسسات داخلية فقط. فكما يشير عالم الاجتماع السياسي بيتر هال، فإن المؤسسات الحديثة لا تعمل في فراغ اجتماعي، بل ضمن منظومات سياسية واقتصادية أوسع تؤثر في طبيعة عملها ووظائفها. وبناء على ذلك، فإن أي محاولة لتنظيم الصحافة أخلاقيا لا يمكن أن تنجح ما لم تكن جزءا من مشروع ديمقراطي أوسع يضمن استقلالية الإعلام ويحد من الضغوط السياسية والاقتصادية التي يتعرض لها الصحفيون.
و تزداد إشكالية هذا الطرح وضوحا إذا ما وضعناه في سياق التطورات التي عرفها الحقل الإعلامي المغربي خلال الأشهر الأخيرة. فقد شهدت المؤسسة المكلفة بتنظيم المهنة، أي المجلس الوطني للصحافة، سلسلة من الأزمات التي أثارت نقاشا واسعا حول طبيعة التنظيم الذاتي وحدوده.
ومن أبرز هذه الأزمات الجدل الذي رافق قضية الصحفي حميد المهداوي، بعد تسريب تسجيلات منسوبة إلى مداولات داخل لجنة الأخلاقيات، وهو ما فتح نقاشا واسعا داخل الوسط الصحفي حول حياد هذه اللجنة وطبيعة عملها. ومهما كان تقييم هذه الواقعة أو تأويلها، فإنها كشفت عن معضلة أساسية تتمثل في هشاشة الشرعية الأخلاقية للمؤسسات التي يفترض أن تضطلع بدور الحكم داخل المجال الإعلامي.
فحين تصبح المؤسسات المكلفة بضبط أخلاقيات المهنة نفسها موضوع جدل أخلاقي، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بسلوك الصحفيين، بل بمدى قدرة هذه المؤسسات على الحفاظ على شرعية أخلاقية تتيح لها ممارسة دورها التنظيمي.
تزامنت هذه النقاشات مع أزمة مؤسساتية أعمق تمثلت في انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة ودخول المؤسسة مرحلة فراغ مؤسسي أثارت نقاشا واسعا حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب. فقد أدى تعثر تجديد المجلس وفق الصيغة الانتخابية التي نص عليها القانون إلى اللجوء إلى صيغ مؤقتة لتسيير القطاع، وهو ما اعتبره عدد من الفاعلين الإعلاميين مؤشرا على هشاشة النموذج المؤسسي الذي بني عليه المجلس منذ إنشائه.
كما رافق هذه المرحلة نقاش سياسي وتشريعي حول ضرورة مراجعة الإطار القانوني المنظم للمجلس، في ظل تأخر إخراج إصلاح تشريعي شامل يعيد تحديد قواعد تنظيم الحقل الصحفي ويضمن استمرارية مؤسساته.
إلى جانب هذه التحولات المؤسسية، يعرف المجال الإعلامي العالمي تغيرات عميقة بفعل الثورة الرقمية. ففي كتابه حول السلطة في عصر الاتصال، يشير عالم الاجتماع مانويل كاستلز إلى أن التحولات الرقمية لم تؤدّ إلى انهيار القيم الصحفية كما يعتقد البعض، بل أعادت تشكيلها ضمن منطق جديد يقوم على انخراط الجمهور في إنتاج الأخبار وتداولها.
لقد أدى هذا التحول إلى تراجع الحدود التقليدية بين الصحفي والمتلقي، وهو ما يجعل محاولة ضبط المجال الإعلامي وفق منطق الرقابة الأخلاقية التقليدية أمرا بالغ الصعوبة. فالإعلام الرقمي لم يعد مجرد امتداد للإعلام التقليدي، بل أصبح فضاء تواصليا متعدد الفاعلين، تتداخل فيه الصحافة المهنية مع أشكال جديدة من الإنتاج الإعلامي.
غير أن النقاش حول أخلاقيات الصحافة يظل ناقصا ما لم يأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعمل فيها الصحفيون. ففي تحليله للحقل الإعلامي، يؤكد عالم الاجتماع بيير بورديو أن سلوك الصحفيين لا يمكن فهمه بمعزل عن البنية الاقتصادية التي يعملون داخلها. فالصحافة، مثلها مثل باقي المجالات المهنية، تخضع لقوانين السوق ولضغوط رأس المال والإعلان.
ومن دون ضمان استقلالية اقتصادية ومؤسساتية حقيقية للمؤسسات الإعلامية، يصبح الحديث عن الأخلاقيات مجرد خطاب معياري لا يجد ما يسنده في الواقع. فكيف يمكن مطالبة الصحفيين بالالتزام بميثاق أخلاقي صارم في ظل هشاشة اقتصادية متزايدة، وضغوط سياسية وإعلانية مستمرة؟
إن الإشكال الحقيقي في النقاش حول أخلاقيات الصحافة لا يكمن في أهمية هذه الأخلاقيات، بل في الكيفية التي يتم بها توظيفها داخل الحقل الإعلامي. فحين تتحول الأخلاقيات إلى أداة تنظيمية تفرض من أعلى عبر مؤسسات تعاني هي نفسها من أزمات الشرعية والمصداقية، فإنها تفقد وظيفتها الأصلية بوصفها إطارا معياريا يحمي استقلالية المهنة.
إن التنظيم الذاتي للصحافة لا يمكن أن يختزل في إصدار قرارات تأديبية أو في فرض قواعد سلوكية على الصحفيين، بل هو منظومة متكاملة تقوم على استقلالية المؤسسات الإعلامية، وضمان حرية التعبير، وخلق شروط مهنية واقتصادية تسمح للصحفيين بممارسة عملهم دون خوف أو تبعية.
ومن دون هذا الأفق الديمقراطي الأوسع، ستظل الأخلاقيات الصحفية عرضة لأن تتحول إلى خطاب معياري يخفي وراءه علاقات قوة داخل المجال الإعلامي، بدل أن يكون أداة لحماية الصحافة الحرة وخدمة المصلحة العامة.





