إدريس عدار
تم تداول تغريدة منسوبة لتاج السر عثمان بشكل كبير. تم الترويج لها بكثير من المديح المغال، فقط لأنها توافقت مع صفحات من التاريخ حاقدة.
التغريدة المنسوبة لتاج السر تقول:
تبحث أمريكا اليوم عن مطايا لاقتحام طهران بريا فلا تجد أحدا من العرب يقبل هذه المهمة القذرة بينما في 2003 تسابق مراجع وميليشيات محور إيران ليكونوا أولى المطايا المركوبة لتدمير العراق وتقاطروا من كل فج عميق لإسقاط بغداد. من دخلوا بغداد على ظهور الدبابات الأمريكية وسلموا مفاتيح العراق لبريمر من الأدب أ، يصمتوا حين يذكر الشرف والسيادة. انتهى…
قبل مناقشة مضمون التغريدة وجب التنبيه إلى سقوط العديد من المثقفين ممن تقاسموها على نطاق واسع.
هذا الحساب مزيف ويديره مركز بأحد عواصم المازوت وتبين دفاعه عنها.
الصورة المرفقة بالاسم لا تعود للمناضل تاج السر عثمان، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، الذي أدان العدوان الإمبريالي الأمريكي الصهيوني على إيران. أما الصورة فهي لعلي الريح السنهوري، الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي قطر السودان.
المركز الذي يدير هذه الذبابة الالكترونية استغل الاسم المشهور للمناضل الشيوعي السوداني، الكاتب والباحث، وصورة مناضل سوداني بعثي مشهور أيضا.
أما من حيث المضمون فإنه سطحي وتافه.
بغداد لم تسقط لأن المراجع والمليشيات سلموا مفاتيحها للأمريكي.
المعروف دون مواربة أن من تآمر على العراق هو نفسه من يتآمر اليوم على إيران.
الطائرات الأمريكية والبريطانية وطائرات التحالف الدولي (كما سمي) كانت تنطلق من بلدان الأشقاء العرب. انطلقت من قاعدة بيلفورد البريطانية بالنسبة للقاذفات الاستراتيجية، وقاعدة الظفرة بالإمارات وقاعدة الأمير سلطان بالسعودية وقاعدة العديد والسيلية بقطر وقاعدة علي سالم بالكويت ومقر الأسطول الخامس بالبحرين.
أما الدبابات والقوات البرية التي احتلت العراق عام 2003 انطلقت ب من الحدود الكويتية العراقية حيث تمركزت القوات الأمريكية والبريطانية في معسكرات داخل الكويت قبل بدء العمليات العسكرية في 19-20 مارس 2003، ثم تقدمت عبر الصحراء والحدود الجنوبية نحو البصرة والناصرية باتجاه بغداد. 130 ألف جندي دخلوا من حدود الأشقاء العرب مع العراق.
أما مجلس بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق، فقد انضم إليه وساهمت فيه كل الفصائل العراقية (سنة وشيعة وأكراد)، كما قاوم الاحتلال الأمريكي كل طوائف العراق.
وما ورد في التقارير والوثائق الأمريكية يفند ادعاءات التغريدة المنسوبة لتاج السر عثمان، وهناك تقارير صدرت في أوقات سابقة عن وزارة الحرب الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية كما تم تسريبها في وثائق ويكليكس. هذه الوثائق تحدث عن مقاومة الفصائل الشيعية للاحتلال الأمريكي من 2003 إلى 2011، وشكلت تحديا للقوات الأمريكية، بل اعترفت أن أكثر العمليات المدمرة تعرضت لها من قبل هذه الفصائل.
وركزت على بعض المجموعات، التي قالت إن إيران تمولها، مثل عصائب أهل الحق، وصفتها التقارير بأنها كانت الأكثر فتكاً في تنفيذ العمليات ضد القوات الأمريكية، وكتائب حزب الله العراق، ولواء اليوم الموعود، وسرايا طليعة الخراساني، وكتائب سيد الشهداء، وحركة حزب الله النجباء.
وسبق لموقع ويكليكس أن نشر عدة تسريبات، تتعلق بالتقارير الميدانية للمخابرات الأمريكية، التي تحدثت عن دور المقاومة الشيعية في تطوير واستخدام العبوات الناسفة المتطورة التي كانت تخترق تصفيح عربات “هامفي” و”أبرامز”، وذكرت الوثائق أن المزود الرئيسي بهذه التقنية هو فيلق القدس الإيراني.
الوثائق ذاتها تتحدث عن مشاركة بعض الشخصيات الشيعية في العملية السياسية بينما فصائل أخرى مارست المقاومة، وأوضحت الوثائق أن هذا الأمر شكّل ضغطا ساهم في تسريع الانسحاب الأمريكي من العراق.
أما موقف المرجعية فيمكن الاطلاع عليه من تصريحات شخصيات كانت فاعلة في تلك اللحظة.
قال غسان سلامة، سياسي لبناني كان يشتغل في الأمم المتحدة، كان هاجس السيد علي السيستاني منذ اليوم الاول للاحتلال بان يكون هناك دستور. . . صدقني عندما كنا نتحدث مع بريمر حول دستور كان يضحك، عارف بلد لافيه امن ولا فيه كهرباء ولا فيه بنزين ولا فيه كذا ولا فيه حتى من يمثل العراقيين. عندما نتحدث مع العراقيين لم يكن احد يذكر الدستور. ذهبنا الى السيد علي السيستاني وكنت في تلك المرة مع سيرجيو فقال لنا بالعربية: انا اريد دستور هذا مطلبي الوحيد ولكن اريد دستور يكتبه عراقيون منتخبون من الشعب، هذا امر كان باطل بالنسبة للأمريكان كان هناك عدة دساتير مكتوبة كان هناك مكتب في واشنطون اخذا مالا طائلا من الاميركيين وكتب دستورا للعراق. . . جاء السيستاني قال لا. وحين اجابه (سيرجيو) من قبل عراقيين طبعا هذا أفضل فترجم للسيستاني (من قبل عراقيين) فثارت ثائرته قال: انا لم اقل (من قبل عراقيين) بل (من قبل عراقيين منتخبين” (حار مع سامي كليب بالجزيرة سنة 2006).
وقال بيان صادر عن مكتب آية الله العظمى علي السيستاني إن الفتوى المنسوبة إليه والتي ذكر أنه دعا فيها العراقيين إلى عدم مقاومة القوات الغازية أو إعاقة تقدمها، لم تثبت صحتها. وجاء في البيان الذي حصلت الجزيرة على نسخة منه أن مكتب السيستاني اتصل بالعديد من القنوات والجهات ولم يثبت لديه صحة ذلك (موقع الجزيرة 3 أبريل 2003).
عود على بدء: أليست القواعد التي انطلقت منها الطائرات ضد العراق هي نفسها التي تنطلق منها الطائرات التي تقصف إيران؟
وتكرار الكلام المتناقض ينم عن حس طائفي، اعتبر احتلال داعش للمدن العراقية “ثورة لأهل السنة”، ويتحدث عن “مركوبين” من قبل الاحتلال غزا بهم بغداد تم يقول إنهم أتوا على ظهر الدبابة الأمريكية.
هناك محاولة لتزييف التاريخ القريب لتبرير مواقف محرجة. فهم يدينون العدوان الأمريكي الصهيوني ضد إيران، لأنه لا خيار لهم، لكن “الحاضنة” تطلب منهم إدانة ما يسمونه العدوان الإيراني على دول الخليج، وقد تبين لهم بالملموس أن المقصود القواعد الأمريكية والمصالح التي تشارك في العدوان.
أما الادعاء بأن أمريكا لم تجد من تركب ظهره لتحتل طهران هو سذاجة في التحليل. الحرب الحالية هي الخطة “جيم”، وكانت الخطة “ألف” دفع الداخل لينتفض عبر عملاء وتنظيمات انفصالية، وقد باءت الخطة بالفشل، وكانت الخطة “باء”، هي تحريك الانفصاليين الأكراد، وقد اعترف ترامب بتسليح المعارضة الإيرانية عن طريق الأكراد لكنهم احتفظوا به.
لم ينخرط الأكراد في المشروع ليس قناعة ولكن لتعقيدات محيطة بالموضوع، وعدم مسايرة دول إقليمية لهذا النهج خوفا على ارتداد العملية عليها، والأهم هو التهديدات التي تلقتها هذه الفصائل سواء من إيران أو العراق. ولهذا تم غض الطرف عن هذه الخطة مؤقتا.





