إدريس عدار
لا تنتهي كل الحروب بالمفاوضات. كثير منها كانت خاتمتها جر الخصم إلى التوقيع على صك الإذعان. وأمريكا لم تفاوض دولة منذ الحرب العالمية الأولى سوى فيتنام وأخيرا إيران.
كما ينبغي أن نتذكر جيدا أن ترامب لم يوافق على المفاوضات مع إيران إلا بعد أن تصرّم الوقت الذي منحه لإيران.
ذاكرة المحللين السياسيين والخبراء، الذين يملؤون الشاشات ليل نهار، قصيرة للغاية. بعد فشل المفاوضات انتقلوا لنقاشات نسيت تهديد ترامب، الذي قال فيه: إن لم يفتحوا مضيق هرمز ويوافقوا على ما أريد سأعيدهم للعصر الحجري.
أمريكا لم تأت إلى غرب آسيا من أجل النزهة. جاءت لتغيير الواقع جذريا. هدفها كان واضحا هو قلب النظام في إيران، من خلال معركة توقعت لها ثلاثة أيام.
ولم يذهب ترامب إلى المفاوضات في باكستان إلا مرغما. لأن النصر بالنسبة إليه هو أن يعلن الطرف الآخر الاستسلام. أن يذهب إلى إسلام أباد فهذا يعني أن موازين المعركة ليست في مصلحته.
قاعدة معروفة عند الأمريكي: إذا كان منتصرا والطرف الآخر ما زال يقاتل بشكل أو آخر، لا ينهي المعركة، أما عندما يطلب إنهاء المعركة فإنها لم تبق لصالحه.
لكن جاء ترامب إلى المفاوضات بعد سلسلة من الوساطات. طرح بداية ورقة 15 شرطا فرفضتها إيران دون أن تجيب عنها. ووضعت ورقة العشرة شروط، التي أعلن ترامب قبولها. أي أن تكون أرضية للمفاوضات.
ذهبت إيران إلى المفاوضات بعد صمود ليس سهلا في وجه جيش إمبراطوري. وبعد أن كانت في السابق تتفاوض عن برنامجها النووي تبنت هذه المرة “وقف الحروب في المنطقة”، أي تجسدا فعليا لوحدة الساحات.
وفي الدقيقة الأولى اتهموها بالتخلي عن لبنان بل حتى بيعه. لكن عادت من السوق دون أن تترك للمحللين من “أولاد السوق” شيئا. ربطت دخولها المفاوضات بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان. لكن دخلت إلى المفاوضات دون تحقيق هذا الشرط. هذه معارك وأوراق تلعب.
لقد تم التوافق على فتح مضيق هرمز مباشرة بعد الاتفاق على المفاوضات. وفعلا شرعت السفن في العبور، لكن لأن العدوان الإسرائيلي يعتبر خرقا في الوثيقة تراجعت إيران وأغلقت المضيق من جديد، كما ناورت لآخر لحظة وانتزعت تخفيض النزاع واستثناء بيروت والضاحية من القصف.
يقع هذا في وقت أعلنت فيه الحكومة اللبنانية أنها غير معنية بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية وينبغي فصل الملف اللبناني عن باقي الملفات. إيران لم تدعي أنها ستفاوض باسم اللبنانيين، ولكن وقف المعارك داخل في الاتفاق رغم محاولات ترامب التنصل منه، فقد أصرت باكستان من خلال قائد الجيش ورئيس الوزراء وسفيرها في واشنطن أن الاتفاق يشمله. المفاوضات شأن مختلف بعد تثبيت وقف إطلاق النار. الحكومة اللبنانية ستفاوض دون وقف إطلاق النار.
في باكستان قال رئيس الوفد الإيراني قاليباف “جئنا للمفاوضات بحسن نية..” وقال نائب الرئيس الأمريكي “جئنا لنعرف هل سيوافق الإيرانيون على شروطنا”. لا توجد مفاوضات في الدنيا بهذه الطريقة.
ليس هذا هو المهم. لكن تم الإعلان عن فشل المفاوضات. حاولت أمريكا تصوير أن فريقها خرج مغاضبا لكن وسائل إعلام غربية كانت حاضرة قالت إن أول من خرج غاضبا هو الوفد الإيراني.
لما قلت بداية إن ذاكرة المحللين قصيرة؟
لأن ترامب كان أعطى مهلة 48 ساعة لإيران للموافقة على شروطه أو يفتح عليها الجحيم، تم عاد ومددها 10 أيام. وقبيل نهاية المهلة بساعتين قال إنه يقبل بالمفاوضات مع إيران على أرضية ورقة العشرة شروط.
المنطق يفرض أنه بعد فشل المفاوضات يعود لإعلان توجهه نحو “إعادة إيران إلى العصر الحجري”. لكن علينا أن نعرف أن ترامب لم يقبل المفاوضات لأن ضميره استيقظ ولا يظهر أن لدى جماعة إبستين ضمير. ولكن لأن قواعد اشتباك وضعتها إيران حالت دون تنفيذ وعيده.
طبعا يمتلك الجيش الأمريكي قدرات نارية وتقنية لإحداث دمار بإيران. لكن أكدت الأيام قدرة إيران على الرد المناسب. فالخوف هو أن ضرب البنيات التحتية والكهرباء الإيراني سيقابله ضرب البنيات التحتية والكهرباء في إسرائيل والخليج. قال علي لاريجاني، قبيل استشهاده، إذا نفذ ترامب وعيده في نصف ساعة يصبح كل الخليج وإسرائيل في الظلام.
من جر ترامب من قفاه إلى المفاوضات هو “قواعد الاشتباك”. بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات كان عليه أن يعود مباشرة إلى تهديده الأول “العصر الحجري”. لكن نسي ترامب هذا العصر ونسيه معه المحللون والخبراء. وأطلق تهديدا جديدا. قال “إنه سيغلق مضيق هرمز كلية”. وله سابقة في ذلك. عندما أغلق اليمن باب المندب على السفن الإسرائيلية فجاء ترامب لحربهم فأغلق طواعية. إغلاق مضيق هرمز مساعدة لإيران. نقلت وكالة خبرا مرعبا: وكالة “رويترز”: سعر خام فورتيس لبحر الشمال يسجل مستوى قياسياً يقترب من 150 دولاراً للبرميل مع تفاقم أزمة مضيق هرمز. إيران تمسك بخناق ترامب من هذه الجنبة. “إله” ترامب هو الشركات الكبرى المتضررة.
سرعان ما تخلى عن هذا التهديد ليطلق تهديدا آخر: فرض حصار على الموانئ الإيرانية. طبعا لديه القدرة على فعل ذلك لكن ليست لديه القدرة على منع رد الفعل الإيراني.
قال المتحدث باسم القيادة المركزية خاتم الأنبياء ” إن فرض الولايات المتحدة الإجرامية قيودًا على حركة مرور السفن في المياه الدولية يُعدّ إجراءً غير قانوني ومصداقًا للقرصنة البحرية.
تؤكد القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بصراحة وحزم أن أمن الموانئ في الخليج الفارسي وبحر عُمان إمّا أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد.
إذا تم تهديد أمن موانئ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مياه الخليج الفارسي وبحر عُمان، فلن يكون أي ميناء في الخليج الفارسي وبحر عُمان في مأمن”.
قاعدة جديدة وضعتها إيران في وجه ترامب. ولا يوجد ما يمنعها من ذلك.
وذكر موقع أكسيوس أن ترامب يدرس استئناف الضربات إذا لم يغير الحصار البحري سلوك إيران.
هذه ثلاث خيارات جديدة أطلقها الرئيس الأمريكي دون أن يرجع للخيار الأصلي. هذه ثلاث خيارات جديدة أطلقها الرئيس الأمريكي دون أن يرجع للخيار الأصلي. انتقل خلالها من “العصر الحجري” إلى “العهد المائي”.





