من صمت الغار إلى دوي “اقرأ”: فلسفة النهضة في قراءة الأكوان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

رشيد الزهراني

 

لم تكن خلوة النبي ﷺ في غار حراء مجرد عزلة للعبادة التقليدية، بل كانت “مختبراً روحياً” وصمتاً استراتيجياً يسبق التغيير العظيم. حيث كان المصطفى ﷺ يراقب الكعبة ويتأمل في مجتمعٍ غارقٍ في جاهليةٍ متجذرة، أُشربت من عادات الآباء والأجداد حتى صارت جزءاً من الهوية. كان يرى الفساد ويستشعر ثقل الأمانة في إصلاح أمة تحتاج إلى ما هو أعمق من مجرد “تعديل سلوك”؛ إنها تحتاج إلى “إعادة صياغة للعقل”.
إن في اقتران تلك الخلوة بأول كلمة نزلت من السماء “اقرأ” إشارة عبقرية إلى أن مجد هذه الأمة لن يُبنى إلا بالوعي. وليست أي قراءة هي المقصودة، بل هي تلك القراءة المتكاملة التي تقوم على أبعاد ثلاثة تشكل جوهر النهضة الإسلامية:
1 قراءة الوحي (الكتاب المسطور):
وهي القراءة التي تنفذ إلى أعماق الآيات لفهم المنهج، واستنباط القيم والتشريعات التي تضبط إيقاع الحياة. قراءة “البوصلة” التي تمنح الإنسان الغاية والمعنى، وتحميه من التخبط في دروب المادية الجافة.
2 قراءة الأكوان (الكتاب المنظور):
وهي التأمل في سنن الله في الخلق، وفي الأنفس، وفي مسارات التاريخ. إنها القراءة التي تستخرج القوانين الفيزيائية والاجتماعية التي تُبنى بها الحضارات. فالتفكر في الأكوان ليس ترفاً ذهنيًا، بل هو عبادة تدمج بين “المحراب” و”المختبر”، وتجعل من العلم المادي طريقاً لمعرفة الخالق.
3 القراءة باسم الله (الضمانة الأخلاقية):
هنا يكمن الفرق الجوهري؛ فالعلم والقراءة بمعزل عن “اسم الله” قد يتحولان إلى طغيان تكنولوجي يدمّر الإنسان والبيئة، كما نرى في بعض شظايا الحضارة المعاصرة. أما القراءة “باسم الله”، فهي العلم الذي يرحم الخلق، ويُعمر الأرض، ويجعل من القوة أداة للعدل لا للقهر.
من هذا المنطلق، يمكننا رصد دلالتين مركزيتين لهذه الانطلاقة النبوية:
ـ شمولية المعرفة: الربط بين القراءة والخلق في قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، يمحو الثنائية المتوهمة بين الدين والدنيا. فكل علمٍ نافع هو دين، وكل بحثٍ رصين هو قراءة في ملكوت الله.
ـ تأسيس المجد المستدام: المجد القائم على القوة العسكرية أو المال يزول بزوال أسبابه، أما المجد القائم على “القراءة الواعية” فهو الذي يبني حضارة تستمر قروناً، لأنها حضارة تقوم على “العقل المسدّد بالوحي”.
خاتمة
إن القراءة بمفهومها في “الغار” هي الجسر الواصل بين تأملات العابد في خلوته، وبين احتياجات المجتمع في واقعه. لقد تحولت تلك الأمة “الأميّة” عبر بوابة “اقرأ” إلى رائدة للعلوم، لأنها فهمت أن السيادة في الأرض تبدأ بفك شفرات “الكتابين”: كتاب الوحي المنزّل، وكتاب الكون المفتوح.
اليوم، ونحن نعيش حالة من الضعف والهوان ، لسنا بحاجة فقط لاستعادة التاريخ، أو الأمجاد الضائعة، بل لابد من إستعادة “المنهج”؛ ولنقرأ الكون مجدداً، ولكن.. باسم الله العظيم

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...