لماذا تقذف كرات النار على الوسطاء في هذه الحرب؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

د. صالح المطيري
إعلامي كويتي.

 

 

لا يمكن قراءة المشهد الراهن في الخليج بمعزل عن سؤال يتسلل بهدوء إلى عمق الوعي السياسي:

كيف تتحول أدوات الصراع من مواجهة مباشرة إلى استهداف غير مباشر يطال الوسطاء والبنية المدنية؟ وسؤال آخر: ما الذي يجعل سلوك خصمين متناقضين ظاهريا يتقاطعان عند هذه النقطة تحديدا؟

المسألة هنا لا تتعلق بمقارنة أخلاقية بقدر ما هي محاولة لفهم منطق الفعل السياسي حين ينفصل عن خطابه، ويتجرد من ادعاءاته، ليقاس بما يخلّفه على الأرض من أثر.

في سبتمبر/أيلول 2025، حين استهدفت إسرائيل وفدا تفاوضيا لحركة حماس في الدوحة، لم يكن الحدث مجرد حدث أمني عابر، بل كان إشارة واضحة إلى توسيع نطاق الاشتباك ليشمل الوسيط نفسه.

هذا النوع من الاستهداف لا يفهم فقط في سياق الضغط على الخصم المباشر، بل في سياق أوسع يسعى إلى إضعاف قنوات التهدئة ذاتها، وتحويل الوساطة إلى عبء بدلا من أن تكون جسرا للحل. فحين يشعر الوسيط بأنه مهدد، فإن مساحة المناورة تضيق، وتتحول مهمته من صناعة الحل إلى البحث عن حماية لنفسه.

اليوم، يتكرر المشهد ذاته تقريبا ولكن بوجه مختلف وربما أدوات مختلفة أيضا، إذ تتجه إيران إلى ممارسات تضع دولا مثل قطر وعُمان، وهما من أبرز الوسطاء في الإقليم الخليجي عادة، ضمن دائرة الضغط والتهديد.

هذا التحول لا يمكن عزله عن منطق الصراع المتصاعد، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن نمط يتجاوز الخصومة التقليدية، ليطال بنية التوازن الإقليمي برمتها. فالدول التي اختارت موقع الوساطة، وراكمت رصيدا من الثقة الكبيرة لدى أطراف متنازعة عدة، تجد نفسها فجأة أمام معادلة جديدة:

إما أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع، أو تدفع قسرا إلى الانخراط في محور ضد آخر للأسف!

هذا النمط من السلوك يطرح إشكالية مزدوجة؛ فمن جهة، هو يضعف فكرة الوساطة بوصفها خيارا إستراتيجيا لحل النزاعات، ومن جهة أخرى، يفتح الباب أمام تحويل المدنيين والبنية التحتية إلى أدوات ضغط.

فاستهداف المنشآت الاقتصادية، أو التلويح بضرب المطارات والموانئ والمنشآت والمباني الخدمية المدنية، لا يحمل فقط رسالة عسكرية، بل يعيد تعريف ساحة الصراع لتشمل حياة الناس اليومية واحتياجاتهم، ويجعل الاستقرار نفسه جزءا من معادلة الردع.

ومن اللافت أن هذا المسار ليس طارئا أو منفصلا عن تجارب سابقة، إذ تكشف الحروب الأخيرة عن ميل متزايد نحو إدخال المدنيين في قلب الصراع.

إسرائيل، في عملياتها الحربية، لم تعد تكتفي بالأهداف العسكرية التقليدية، بل وسعت نطاقها ليشمل مرافق مدنية حيوية، في إطار ما يفهم كسياسة ضغط شاملة.

والمفارقة (العجيبة لأول وهلة) التي تستحق التوقف عندها أن إيران، التي بنت خطابها السياسي على نقد هذا النهج بل ونقد السياسة الإسرائيلية كلها، تجد نفسها اليوم تمارس أدوات مشابهة، بالنهج ذاته وإن اختلفت السياقات والذرائع.

هنا، تتبدى فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة؛ فحين يتحول الدفاع عن القضايا الكبرى إلى غطاء لتوسيع النفوذ، فإن الوسائل المستخدمة تكشف حقيقة الأولويات.

القضية الفلسطينية، التي ظلت لعقود معيارا أخلاقيا وسياسيا في المنطقة، تستدعى في هذا السياق كرمز، بينما تمارس على الأرض سياسات تضع دولا عربية مستقرة تحت ضغط مباشر، بعيدا عن أي مواجهة حقيقية مع إسرائيل. هذا التناقض لا يمر دون أثر، إذ يعيد تشكيل الوعي العام، ويطرح أسئلة حول صدقية الشعارات حين لا تجد ما يسندها في الفعل.

ومن منظور خليجي، تبدو هذه التحولات أكثر حساسية؛ لأن دول الخليج لم تكن يوما ساحة مواجهة مباشرة بقدر ما كانت مساحة توازن، تحاول الحفاظ على استقرارها وسط عواصف الإقليم. لكن حين تنتقل أدوات الصراع إلى داخل هذه المساحة، عبر تهديد البنية التحتية أو الضغط على الوسطاء، فإن المعادلة تتغير جذريا.

لم يعد الأمر يتعلق بمراقبة صراع بعيد، بل بإدارة تهديد يقترب من تفاصيل الحياة اليومية، من المطارات التي تستخدم للسفر والعمل، إلى المنشآت الاقتصادية التي تشكل عصب التنمية.

اللافت في هذا السياق أن استهداف البنية المدنية لا يحقق فقط أهدافا تكتيكية، بل يخلق حالة من القلق المستمر، ويؤثر في ثقة المجتمعات بقدرتها على الاستمرار في نمط حياتها الطبيعي. فالمرء، حين يشعر أن المرافق التي يعتمد عليها يمكن أن تتحول إلى أهداف، يعيد النظر في إحساسه بالأمان، وتبدأ تداعيات ذلك بالظهور على مستويات متعددة، اقتصادية واجتماعية ونفسية.

وهنا، يتجاوز الصراع حدوده العسكرية ليصبح عاملا ضاغطا على بنية المجتمع ذاته.

وإذا ما نظرنا إلى الصورة الأوسع، فإن تقاطع سلوك إيران وإسرائيل عند نقطة استهداف الوسطاء والبنية المدنية لا يعني تطابقا كاملا، لكنه يكشف عن منطق مشترك: استخدام الضغط غير المباشر لتحقيق مكاسب سياسية.

هذا المنطق، بطبيعته، لا يعترف بالحياد، ولا يترك مساحة آمنة للوساطة، بل يدفع الجميع إلى الاصطفاف، أو على الأقل إلى إعادة حساباتهم. وفي ظل هذا الواقع، تصبح الحاجة إلى موقف واضح أكثر إلحاحا، ليس فقط لحماية المصالح، بل للحفاظ على فكرة الاستقرار نفسها.

من هنا، يبرز الخيار الخليجي بوصفه ضرورة لا ترفا؛ خيار يقوم على تعزيز التنسيق بين الدول، وتوحيد الرؤية تجاه التهديدات، مع وضع خطوط حمراء لا لبس فيها.

هذا التنسيق لا يعني التصعيد، بل يعني إدارة الصراع بوعي، بحيث لا يسمح بتحويل دول المنطقة إلى ساحات اختبار لسياسات الضغط. كما أن التوثيق الدقيق لأي سلوك عدواني يصبح أداة مهمة، ليس فقط على المستوى القانوني، بل في بناء سردية تستند إلى الوقائع، وتواجه الخطاب بالشواهد.

وفي هذا الإطار، لا يكفي الاكتفاء بردود فعل آنية، بل يتطلب الأمر بناء إستراتيجية طويلة المدى، تعيد الاعتبار للوساطة بوصفها قيمة، وتحميها من الاستهداف، وترسخ فكرة أن الاستقرار ليس ضعفا، بل خيارا واعيا يحتاج إلى أدوات دفاع تحميه. فالمرء، حين يدافع عن استقراره، لا يهرب من المواجهة، بل يختار شكلها الذي يضمن بقاء مجتمعه خارج دائرة الانهيار.

ولا يعود السؤال في نهاية الأمر متعلقا بمن يرفع الشعارات الأكثر حدة، بل بمن يلتزم في فعله بما يدعيه في خطابه.

وحين تتقاطع الأفعال، مهما اختلفت الشعارات، فإن الحكم يصبح بيد الواقع، لا بيد الكلمات.

وهكذا تبدو المسؤولية مضاعفة على الدول التي ما زالت تراهن على العقل والمنطق، وعلى قدرتها في حماية توازنها من دون أن تفقد توازنها السياسي والإستراتيجي وموقعها في معادلات الإقليم ككل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...