د. صالح المطيري
إعلامي كويتي.
كانت إيران تنظر إلى الخليج طويلا بوصفه مساحة قابلة للاختراق أكثر من كونه شريكا إقليميا متكافئا. وهذه الفكرة لم تتغير كثيرا حتى بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين. فالعقل السياسي الإيراني لا يزال يتصرف أحيانا وفق تصور قديم يرى أن الخليج ثروة هائلة محاطة بهشاشة سياسية وأمنية، وأن النفوذ فيه ممكن عبر التوتر، وإدارة المخاوف، وتوسيع مناطق الاشتباك غير المباشر.
غير أن ما يبدو لافتا اليوم هو أن هذا التصور الإيراني يصطدم بخليج مختلف تماما عن ذلك الذي عرفته المنطقة قبل أربعين عاما.
الخليج الحالي لا يتحرك باعتباره مجموعة دول تبحث عن حماية خارجية فحسب، وإنما باعتباره مشروعا اقتصاديا وسياسيا طويل المدى يحاول إعادة تعريف موقعه في العالم. وهذا التحول تحديدا هو ما لم تستوعبه طهران بالكامل حتى الآن.
فالمسألة لم تعد متعلقة بتوازنات عسكرية فقط، ولا بحجم الصواريخ والأساطيل، وإنما بطريقة التفكير في المستقبل. دول الخليج تتعامل مع الاقتصاد بوصفه أولوية إستراتيجية، ومع الاستقرار باعتباره شرطا وجوديا، ومع الانفتاح باعتباره جزءا من صناعة القوة. بينما تبدو إيران غارقة أكثر في إدارة النفوذ الخشن، وفي استنزاف مواردها داخل ساحات التوتر الممتدة من العراق إلى لبنان، واليمن.
المفارقة أن الخليج، رغم كل ما يقال عن التحالفات الدولية والقواعد العسكرية، لا يتصرف بعقلية الحرب الدائمة. فالدول الخليجية تعرف أن أي انفجار واسع في المنطقة سيصيب اقتصاداتها ومجتمعاتها ومشاريعها الكبرى في الصميم. ولذلك تبدو أكثر ميلا إلى التهدئة وإلى بناء التوازنات وإلى حماية خطوط التجارة والطاقة والاستثمار. أما إيران فتتحرك أحيانا وكأن التوتر نفسه جزء من تعريف دورها الإقليمي، وكأن بقاء المنطقة على حافة الاشتباك يمنحها قدرة أكبر على التفاوض وعلى تثبيت حضورها السياسي.
هذه الفجوة في الرؤية تفسر جانبا كبيرا من العلاقة المعقدة بين الطرفين. فالمشكلة الخليجية مع إيران ليست مذهبية بالمعنى الذي يروج له البعض، وليست خلافا حدوديا عابرا، وإنما ترتبط بفكرة السيادة أولا. دول الخليج ترى أن أمنها واستقرارها يجب أن ينبعا من داخلها ومن مصالحها الوطنية، بينما يرسل الخطاب الإيراني في أحيان كثيرة إشارات معاكسة، سواء عبر دعم جماعات مسلحة في المنطقة، أو عبر توظيف الشعارات الثورية، أو عبر تحويل بعض العواصم العربية إلى ساحات نفوذ متشابك.
والمثير أن إيران، وهي تسعى إلى توسيع حضورها الإقليمي، تبدو وكأنها تخسر تدريجيا المعركة الأهم: معركة الصورة والنموذج. فالشعوب العربية تنظر اليوم إلى التجارب الناجحة اقتصاديا وإداريا بعين مختلفة. وهي ترى في الخليج نموذجا للاستقرار النسبي والقدرة على التطوير وعلى بناء المدن والفرص والأسواق. بينما تبدو إيران، رغم تاريخها وثقلها الحضاري، دولة مرهقة بالعقوبات وبالأزمات الاقتصادية وبالاحتجاجات الداخلية، وبالإنفاق السياسي المفتوح على ملفات خارجية طويلة ومكلفة.
هذا التحول يفسر سبب القلق الإيراني المتكرر من صعود الدور الخليجي. فالقوة الخليجية الحالية لم تعد مجرد ثروة نفطية. هناك نفوذ استثماري واسع، وهناك حضور متزايد في الاقتصاد العالمي، وهناك قدرة على بناء شراكات مع الشرق والغرب في الوقت نفسه، وهناك انتقال واضح من دور الدولة الريعية التقليدية إلى دور الدولة الطامحة لصناعة نفوذ متنوع ومستدام. وهذه المعادلة تجعل الخليج أكثر استقلالا في قراره، وأكثر قدرة على حماية مصالحه، وأقل قابلية للابتزاز السياسي الذي كان ممكنا في مراحل سابقة.
ومن يتابع الخطاب الإيراني الرسمي يلاحظ أحيانا قدرا من الارتباك في التعامل مع هذا الخليج الجديد. فطهران تدرك أن أدواتها القديمة لم تعد تحقق التأثير نفسه، وأن المنطقة تتحرك بسرعة نحو أولويات مختلفة. حتى الأجيال الخليجية الجديدة تنظر إلى السياسة من زاوية التنمية والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا وفرص الحياة اليومية، بينما يبدو الخطاب الإيراني لا يزال متمسكا بفكرة التعبئة المستمرة، واللغة الثورية الثقيلة التي فقدت كثيرا من جاذبيتها خارج دوائرها التقليدية.
ولهذا فإن التوتر القائم بين إيران والخليج لا يتعلق فقط بالأمن البحري أو البرنامج النووي أو الملفات العسكرية. هناك صراع أعمق حول شكل المنطقة المقبلة. الخليج يريد منطقة مستقرة تسمح له باستكمال تحوله الاقتصادي الكبير، وإيران تبدو أحيانا وكأنها تخشى أن يؤدي استقرار المنطقة الكامل إلى تراجع وزنها السياسي القائم على إدارة الأزمات. فالدولة التي تبني نفوذها عبر التوتر تحتاج دائما إلى بقاء التوتر حيا بدرجات مختلفة.
ومع ذلك فإن الخليج لا يتحدث بلغة القطيعة النهائية مع إيران. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والمصالح الكبرى تفرض دائما أبوابا مفتوحة للحوار. غير أن دول الخليج باتت أكثر وضوحا في تحديد حدود العلاقة. هناك رفض متزايد لفكرة الوصاية الإقليمية، ورفض لتحويل المنطقة إلى ساحة رسائل متبادلة بين القوى الكبرى، ورفض لربط أمن الخليج بحسابات المليشيات والاشتباكات العابرة للحدود.
كما أن الخليج يدرك أن أي ضعف داخلي عربي يمنح إيران مساحة أوسع للحركة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية بالنسبة لدوله لم تعد عسكرية فقط، وإنما تنموية أيضا. فكل نجاح اقتصادي أو إداري أو تقني يحققه الخليج يمثل في الوقت نفسه تعزيزا لمكانته السياسية. وكل مشروع تنموي كبير يقلل من قدرة الآخرين على التعامل معه باعتباره مجرد خزان نفطي قابل للضغط والابتزاز.
إيران أمام خيار واضح اليوم. إما أن تتعامل مع الخليج بوصفه شريكا مكتمل السيادة وله مصالحه وخياراته المستقلة، وإما أن تستمر في النظر إليه بعقلية النفوذ التقليدي، وهي عقلية ستدفع المنطقة إلى مزيد من الحذر والتوتر والاستنزاف.
والخليج من جهته لم يعد ذلك الطرف القلق الذي ينتظر تعريف الآخرين لدوره. هناك ثقة سياسية متصاعدة، وهناك وعي متزايد بحجم التحولات الدولية، وهناك إدراك بأن حماية الاستقرار تتطلب قوة اقتصادية وتحالفات مرنة وقدرة على اتخاذ القرار من داخل المصالح الخليجية نفسها، لا من حسابات الآخرين ولا من خرائط أحلامهم القديمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة ايطاليا تلغراف





