د. صالح المطيري
إعلامي كويتي.
منذ الأيام الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بدا أن طهران تتعامل مع مضيق هرمز بطريقة مختلفة عن كل المرات السابقة.
ففي الساعات الأولى خرج وزير الخارجية عباس عراقجي ليؤكد أن إيران لا تنوي إغلاق المضيق، وكأن الإيرانيين كانوا يحاولون إرسال رسالة تهدئة سريعة إلى العالم، خصوصا للدول التي تعتمد على الممر في الطاقة والتجارة. لكن هذا الخطاب لم يستمر طويلا.
فبعد فترة قصيرة بدأت تظهر لغة مختلفة تماما، تقترب من التهديد المباشر، ثم أعقبتها تصريحات تتحدث عن تعطيل الملاحة، ثم عن ترتيبات أمنية، ثم عن مشاركة إيرانية في حماية الممر.
هذا التدرج السريع كشف أن الإيرانيين لم يكونوا يتحركون وفق موقف ثابت، بقدر ما كانوا يعيدون اكتشاف قيمة هرمز نفسها في لحظة الحرب.
طوال عقود، كان اسم هرمز يُستدعى كلما دخلت المنطقة في توتر كبير، لكن التهديد ظل في الغالب سياسيا أكثر منه عمليا. أما هذه المرة، فيبدو أن الإيرانيين اكتشفوا شيئا آخر؛ اكتشفوا أن قيمة المضيق لا تكمن فقط في القدرة على إغلاقه، وإنما في القدرة على تحويله إلى مصدر خوف عالمي دائم.
فالعالم اليوم أكثر هشاشة تجاه الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس فورا على الأسواق والأسعار والتأمين البحري. ولهذا لم يعد الإيرانيون يتحدثون عن المضيق بوصفه مجرد ورقة ضغط مؤقتة، وإنما كأداة إستراتيجية يمكنها رفع كلفة الحرب على الجميع.
ومن هنا ظهرت فكرة “مشاركة المنطقة بالألم”، وهي العبارة التي اختصرت جانبا من التفكير الإيراني خلال الحرب. فحين تتعرض إيران للضغط، يصبح المطلوب أن يشعر الآخرون بالكلفة أيضا: دول الخليج، الأسواق العالمية، شركات الشحن، وحتى الاقتصادات الكبرى. وكانت الفكرة تقوم على أن رفع كلفة الحرب إقليميا ودوليا، قد يدفع القوى الكبرى إلى التدخل لوقفها أو الحد منها.
لكن اللافت أن هذا التفكير تطور تدريجيا إلى تصور أوسع، بدا فيه هرمز وكأنه تحول داخل الذهنية الإيرانية إلى ما يشبه “السلاح الاقتصادي الكبير”، أو ورقة الردع التي تستطيع أن تربك العالم بمجرد التلويح بها.
ولهذا تغيرت اللغة الإيرانية نفسها. ففي البداية كان الحديث عن الإغلاق، ثم جرى التراجع إلى تعبيرات أقل حدّة مثل “تعطيل الملاحة”، أو “إدارة الأمن البحري”.
وبعدها بدأت تظهر مفردات جديدة تماما مثل “حقوق الشعب الإيراني في المضيق”، وهي عبارة غير مألوفة سياسيا ولا قانونيا، لأنها تنقل النقاش من أمن الملاحة إلى ملكية النفوذ.
ثم ظهرت أفكار أكثر غرابة، حين جرى الحديث عن رسوم على المرور البحري، قبل أن يعاد تقديم الفكرة بصيغة “رسوم أمنية” مقابل حماية السفن، وتأمين العبور.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات حساسية في الخطاب الإيراني خلال الحرب. فالممر الذي يلوّح بتهديده يتحول في اللحظة نفسها إلى مصدر رسوم للحماية منه. أي إن الجهة التي تثير المخاوف الأمنية تعرض نفسها أيضا بوصفها الجهة القادرة على توفير الأمن مقابل تكلفة مالية، أو ترتيبات خاصة.
وهذا منطق غير مألوف في الممرات الطبيعية الدولية. فالقنوات التجارية مثل قناة السويس تخضع لنظام رسوم واضح؛ لأنها منشآت ملاحة صناعية، أما المضائق الطبيعية المفتوحة فلم تدر يوما بهذه الطريقة، ولم يظهر فيها مفهوم “رسوم الحماية الأمنية” بهذا الشكل المباشر.
الأمر لم يتوقف عند الملاحة فقط، لأن الخطاب الإيراني بدأ يتحرك نحو مساحة أوسع بكثير. فبعدما أعلنت دول الخليج في قممها التشاورية تمسكها بحرية الملاحة من دون قيد أو شرط أو رسوم، جاء الرد الإيراني متحدثا عن “حقوق تاريخية” و”حقوق جغرافية” و”خصوصية أمنية” في المضيق.
هذه اللغة لا تبدو تقنية أو بحرية فقط، وإنما تحمل تصورا سياسيا أعمق يتعلق بمن يملك حق تعريف الأمن في الخليج، ومن يملك حق تنظيمه والإشراف عليه.
ثم جاءت الإشارات إلى “يوم الخليج الفارسي” لتكشف أن المسألة لم تعد مرتبطة بالممر البحري وحده. فاستدعاء التاريخ هنا ليس تفصيلا ثقافيا عابرا، وإنما هو جزء من محاولة إدخال الرواية التاريخية إلى قلب المعادلة السياسية الحالية.
وهذه من المرات النادرة التي يظهر فيها هذا النوع من الخطاب متزامنا مع حرب مفتوحة، وتوتر بحري، وضغط اقتصادي عالمي، بما يجعل الرسالة أبعد من مجرد تسمية أو احتفال رمزي.
ولهذا يبدو أن القلق الخليجي الحقيقي لا يتعلق فقط بإمكانية إغلاق هرمز؛ لأن الإغلاق الكامل نفسه يبقى معقدا ومكلفا على الإيرانيين قبل غيرهم، وإنما يتعلق بالتصور الذي بدأ يظهر خلف الخطاب الإيراني.
فحين يجري الحديث عن ترتيبات أمنية خاصة، وعن مشاركة في إدارة الأمن البحري، وعن حقوق تاريخية وسيادية، يصبح السؤال متعلقا بما إذا كان الإيرانيون ينظرون إلى الخليج باعتباره فضاء متكافئ السيادة بين دول مستقلة، أم مساحة نفوذ تحتاج إلى إدارة خاصة يشاركون هم في تعريف قواعدها وحدودها.
هذه النقطة تحديدا تفسر الحساسية الخليجية تجاه الطرح الإيراني، لأن دول المنطقة لا تريد استبدال وصاية بأخرى، ولا تريد أن يتحول أمن الممرات البحرية إلى مدخل لإعادة تعريف سيادة الدول نفسها.
فربط أمن الخليج بتحالفات يبقى موضع نقاش سياسي معروف، لكن ربطه بترتيبات خاصة تمنح إيران حقا استثنائيا في إدارة الممرات والملاحة يفتح بابا مختلفا تماما.
وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما فعله الإيرانيون خلال الحرب هو التهديد بإغلاق المضيق، وإنما تحويل هرمز من ممر دولي إلى فكرة سياسية مفتوحة على احتمالات النفوذ والرسوم والحقوق التاريخية والأمن المشروط.
فهذه اللغة تكشف أن المعركة لم تعد فقط حول السفن والطاقة، بل حول من يملك حق تعريف الخليج نفسه، وحدود السيادة فيه، وطبيعة النظام الذي يحكم مياهه وممراته في السنوات المقبلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





