وائل احساين في مدينة تصغي للحجارة: ولادة قلم واعد يقرأ التاريخ برؤية إبداعية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

في الوقت الذي يتجه فيه جيل الشباب نحو العوالم الرقمية السريعة، يختار الشاب المغربي وائل احساين أن يسلك درباً مغايراً، درباً محفوفاً بالأسئلة الوجودية والبحث في ثنايا الهوية والذاكرة. من قلب مدينة فاس الضاربة في القدم، وبنضج فكري يسبق سنوات عمره العشرين، أطل علينا احساين بعمله الأدبي الفلسفي المتميز “مدينة تصغي للحجارة”، ليعلن عن ميلاد كاتب لا يكتفي بالسرد، بل يمارس الفلسفة بالكلمات.

ليس من المعتاد أن يلتف كبار المثقفين والنقاد حول عمل لشاب لا يزال في بداية مشواره الجامعي، لكن وائل احساين فرض نفسه بفضل لغته الرصينة وعمقه التحليلي. حفل توقيع كتابه الأخير لم يكن مجرد مناسبة بروتولولية، بل كان شهادة ميلاد لمثقف عضوي يجمع بين دراسة القانون وبين شغف الأدب. إن تقديم الكتاب من طرف أسماء وازنة كالأستاذ عبد العزيز كوكاس والدكتورة رقية أشمال، هو صك اعتراف بأننا أمام تجربة تستحق المتابعة والدعم.

إن مسار الشاب وائل احساين يذكرنا ببدايات قامات مغربية لم يمنعها صغر سنها ولا انطلاقها من مدن عريقة من بلوغ العالمية. فالكاتب الكبير محمد شكري لم يكتب الخبز الحافي إلا بعد أن استنطق جراح الواقع، وصار اليوم اسماً يُدرس في كبرى الجامعات الدولية. وكذلك الأديب الطاهر بن جلون الذي بدأ مغربياً خالصاً في أحاسيسه حتى استحق الجونكور وأصبح جسراً ثقافياً عالمياً. ولا ننسى المبدع عبد الفتاح كيليطو الذي جعل من الحكاية المغربية مادة فلسفية أبهرت الغرب والشرق.

لقد بدأ هؤلاء العمالقة كما بدأ وائل اليوم؛ بكلمة صادقة، وقلق وجودي، وإيمان بأن المحلية هي أقصر الطرق نحو العالمية. لذا، فإن مدينة تصغي للحجارة قد تكون غداً ترجمةً لروح مغربية شابة تُقرأ في باريس وروما، ما دام القلم يغترف من نبع الصدق الأكاديمي والإبداعي.

في كتابه الجديد، يأخذنا وائل في رحلة تتجاوز الحدود الجغرافية بين فاس، مليلية، ومالقة، في نص مفتوح يمزج بين أدب الرحلة والتأمل الفلسفي:

استنطاق المكان: يبرز العنوان ذكاءً حاداً؛ فالحجارة في نظر وائل ليست جماداً، بل هي أرشيف بصري صامت، يحاول الإصغاء له ليخرج منه حكايات عن التعايش والانتماء.

ثنائية الأنا والآخر: من خلال تنقله بين ضفتي المتوسط، يطرح الكاتب أسئلة جوهرية حول الهوية المغربية وانفتاحها على الأفق الإنساني.

اللغة والأسلوب: يتميز قلم وائل بنبرة فلسفية هادئة، بعيدة عن الضجيج، تعكس سعة اطلاعه وتأثره بالمدارس الفكرية الكبرى.

وفي بوحٍ ذاتي يعكس عمق تجربته يوضح وائل احساين فلسفته وراء هذا المنجز مؤكداً أنه لم يكتب “مدينة تصغي للحجارة” ليقدم أجوبة جاهزة بل للاقتراب من الأسئلة التي تؤرقه. يقول وائل في تصريح ينم عن وعي نقدي حاد: كان هذا النص محاولة للإصغاء لا للمدينة فقط، بل لذلك الصوت الخافت في الداخل الذي غالبًا ما نتجاهله. لم أسعَ لبناء حكاية مكتملة، بل لالتقاط شظايا وأفكار عابرة تحمل ذاتي والآخرين.

بالنسبة لهذا الشاب الكتابة ليست وصولاً لليقين بل هي تجربة بحث مستمرة حيث تتحول المدن كـ مالقة وماربيا ومليلية وفاس من مجرد إحداثيات جغرافية إلى حالات شعورية ومرايا تتبدل فيها النفس بحثاً عن معنى لا يستقر. إن هذا الاعتراف الصادق بأن العمل هو أثر ومحاولة للفهم وبداية طريق لا نهاية له هو ما يجعلنا نراهن على أن وائل لا يكتب ليملأ الصفحات، بل يكتب ليفتح نوافذ جديدة للتأمل في هويتنا وعلاقتنا بالمكان.

ومن منطلق دورنا الإعلامي، نتوجه برسالة مفتوحة إلى القائمين على الشأن الثقافي ببلادنا، وعلى رأسهم وزارة الشباب والثقافة والتواصل، لضرورة الالتفات الجدي لهذه الكفاءات الشبابية التي تشق طريقها بإمكانيات ذاتية نحو عالم الأدب والفن والزجل. إن احتضان مواهب من طينة وائل احساين هو واجب وطني لضمان استمرارية الإشعاع المغربي.

إن العالم يجب أن يعرف أن المغرب ليس مجرد جغرافيا، بل هو خزان للفكر ومشتل للقيم يمتاز بـ تعددية ثقافية فريدة تمازج بين الأصالة والمعاصرة، وبـ نبوغ مغربي أصيل يتجدد في كل جيل. ولأن المغرب كان وسيبقى أرضاً للعبور والحوار، فإن تشجيع كُتّابنا الشباب هو الوسيلة الأنجع لتصدير صورتنا الحقيقية للعالم: صورة بلدٍ يقرأ، يكتب، ويبدع.

إننا في إيطاليا تلغراف سنظل مواكبين لهذا النفس الشبابي إيماناً منا بأن الكلمة هي الباقية وبأن شبابنا هم السفراء الحقيقيون للمغرب في المحافل الدولية. هنيئاً لوائل احساين هذا التميز واستمر في شغفك فالطريق أمامك مفتوح لتبصم على مسار فكري استثنائي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...