الأبجدية الصوتية الدولية هي نظام طُوِّر في القرن التاسع عشر، يهدف إلى تدوين الأصوات اللغوية بدقة عبر مختلف اللغات، باستخدام رموز موحّدة تُمكّن من وصف وتمثيل النطق الصحيح للأصوات، وتحليل سمات اللغات ودراستها.
يُعرف اختصارا بـ”آي بي أي” (IPA) (International Phonetic Alphabet)، وتُكتب فيه الأصوات كما تُنطَق، دون اعتبار للاختلافات الإملائية بين اللغات، إذ إن العديد من اللغات التقليدية لا تُكتب بالطريقة التي تُنطَق بها، وقد شكّل هذا التباين أحد الدوافع الأساسية لتطويره.
ولا يقتصر دور نظام الأبجدية الصوتية الدولية على نقل الأصوات بدقة بين اللغات، بل يمتد ليشمل التباين داخل اللغة الواحدة، بما في ذلك اللهجات الإقليمية والمحلية، وتتيح طبيعته الدقيقة استخدامه في مجالات متعددة، من بينها اللسانيات، وتعليم وتعلّم اللغات، كما يستخدمه مدرّبو الموسيقى والغناء، ومعالجو اضطرابات النطق، إذ يمكّنهم من توثيق الفروق الصوتية على مستوى أنماط النطق الفردية بدقة.
التأسيس
في أواخر القرن التاسع عشر، أسّس مجموعة من المعلمين الفرنسيين والبريطانيين، بقيادة عالم اللغة بول باسي، الجمعية الصوتية الدولية في باريس، وانطلقت مع تأسيسها الجهود لتطوير نظام أبجدي موحّد لتمثيل الأصوات.
وفي البداية، جاء تطوير هذا النظام بهدف تسهيل عملية التعليم من خلال وضع معيار موحد لتمثيل الأصوات، بعيدا عن اختلافات الأنظمة اللغوية المتعددة، كما انبثق هذا التطوير من طموح إلى تجاوز المقترحات الفردية والمتفرقة لأنظمة التدوين الصوتي التي كانت تظهر آنذاك، واستبدالها بنظام موحد وشامل يعتمد كمرجع أساسي.
وشهد عام 1888 نشر الأبجدية الصوتية الدولية لأول مرة، ومنذ ذلك الحين، خضعت لسلسلة من المراجعات والتعديلات، شملت توسيع قائمة رموزها لتضم أصواتا من لغات متعددة، ولا سيما الأصوات غير الموجودة في اللغات الأوروبية، مثل بعض الأصوات في اللغة العربية، والصينية، وغيرها من اللغات.
وفي كتيّب “مبادئ الجمعية الصوتية الدولية” الصادر في لندن عام 1949، قالت الجمعية إنّ أبجديتها صُمّمت لتلبية الاحتياجات اللغوية العملية، مثل تسجيل الأصوات في اللغات، وتزويد متعلّمي اللغات الأجنبية بمرجع صوتي يساعدهم على اكتساب النطق الصحيح، إلى جانب وضع أنظمة كتابية لاتينية للغات المكتوبة بأنظمة أخرى أو تلك التي لم تُكتب من قبل.
وفي عام 1999، أصدرت جامعة كامبريدج دليل استخدام الأبجدية الصوتية الدولية، وحرّرته واعتمدته لاحقا الجمعية الصوتية الدولية، ليحل محل دليلها الصادر عام 1949. ويتجاوز هذا الدليل 200 صفحة، ويعرض أساليب استخدام نظام الأبجدية الصوتية الدولية، مدعوما بأمثلة تطبيقية وتحليلات لغوية توضيحية.
وتتولى الجمعية الصوتية الدولية مسؤولية نشر نظام الأبجدية الدولية وتحديثه، إذ تُصدر جدولا يوجز رموزه ودلالاتها، إلى جانب أي تعديلات أو تغييرات تطرأ عليه من حين لآخر.
نظام الأبجدية
تُخصّص الأبجدية الصوتية الدولية رمزا فريدا لكل وحدة صوتية مميّزة في أي لغة، وتعتمد في كتابتها على الحروف اللاتينية، إلى جانب عدد من الرموز المستمدّة من الأبجدية اليونانية بعد تكييفها لتنسجم مع الطابع اللاتيني. كما يوظّف هذا النظام علامات تشكيلية للدلالة على الفروق الدقيقة بين الأصوات وخصائصها النطقية.
وتضم الأبجدية الصوتية الدولية أكثر من 100 رمز، حيث تستخدم كل لغة مجموعة محددة منها وفق حاجتها الصوتية. وتنقسم هذه الرموز إلى حروف ساكنة ومتحركة، إضافة إلى علامات التشكيل والإشارات فوق المقطعية، التي تعبّر عن سمات صوتية مثل النغمة والطول والنبر.
ويعتمد نطق معظم رموز الأبجدية على مبادئ علم الصوتيات العامة، إذ يُحدَّد كل رمز وفق خصائصه الصوتية مثل الجهر والهمس، ومكان النطق (مخارج الحروف)، وطريقته.
ولا يشترط أن تلفظ الرموز اللاتينية وفق أصواتها في اللغات الأوروبية، إذ يُعرَّف الرمز على أنه “وسيلة مختصرة للدلالة على تقاطع فئات صوتية مختلفة”، فمثلا يُمثّل الرمز /m/ الموازي لصوت “الميم” في العربية، تقاطع الفئات الصوتية: مجهور، شفوي، وأنفي.
ومجهور، أي أنّه يُنطق من خلال اهتزاز الأوتار الصوتية، على عكس “المهموس”، فيما تشير فئة الشفوية إلى مكان النطق باستخدام الشفتين، وتدلل “الأنفية” على كيفية النطق، ففي حالة /m/، يُنتَج هذا الصوت عندما ينخفض الحنك الرخو (اللحمي) في مؤخرة الفم، مما يسمح للهواء بالمرور عبر التجويف الأنفي بدلا من الفم.
وتفرّق الأبجدية الدولية في نظامها بين الأصوات المتشابهة، إذ تضمّ ستة رموز على الأقل لتمثيل أصوات “ر” كما ترد في لغات العالم، وتختلف بحسب طريقة النطق ومكانه. ويقع أحد هذه الأصوات ضمن فئة السواكن التكرارية، وهو ما يُستخدم عادة لوصف الراء العربية، ويُرمز له بـ /r/.
أما صوت “ر” في اللغة الإنجليزية، والذي يُكتب في الإملاء بالحرف “r”، فيُرمز له في الأبجدية الدولية غالبا بـ /ɹ/، وهو صوت تقريبي لثوي، ويُعد الأكثر شيوعا في الإنجليزية، مع وجود تنوعات نطقية أخرى في بعض اللهجات.
كما يُرمز بـ /ʁ/ إلى صوت “ر” في اللغة الفرنسية، وهو صوت احتكاكي لهوي، ويشبه في طبيعته الصوت العربي /ɣ/ (الغين) من حيث كونه صوتا احتكاكيا، إلا أنه يختلف عنه في موضع النطق الدقيق.
وبناءً على هذا المبدأ، تُصنَّف بقية الأصوات ضمن فئات صوتية دقيقة الوصف، بما يسهّل تحديد خصائصها ونطقها بدقة، مع إمكانية تطبيقها على مختلف اللغات.
وتُستخدم الخطوط المائلة “/الرمز/” في الأبجدية الصوتية الدولية للدلالة على الصوت بوصفه وحدة داخل نظام اللغة.
الأصوات الساكنة
تضم النسخة المعتمدة من نظام الأبجدية الصوتية الدولية عددا كبيرا من الأصوات الساكنة، وتُصنَّف وفقا لمكان النطق (مخارج الحروف) على النحو الآتي:
- شفوية ثنائية (Bilabial): وهي الأصوات التي تُنطق باستخدام الشفتين معا، مثل الميم والباء في العربية، ويقابلها الرمزان /m/ و/b/
- شفوية سنّية (Labiodental): تُنطق بين الشفة السفلى والأسنان العلوية، مثل الفاء (ف)، ويقابلها الرمز /f/
- سنّية (Dental): تُنطق بين اللسان والأسنان، مثل الثاء والذال، ويقابلها الرمزان /θ/ و /ð/
- نطعية (Alveolar): تُنتَج بوضع اللسان على الموضع الصلب خلف الأسنان الأمامية العلوية، مثل التاء والدال والنون والراء واللام، ويقابلها /t/ و/d/ و/n/ و/r/ و /l/
- بعد نطعية (Postalveolar): تُنتَج في الموضع الواقع بين الأسنان العلوية وسقف الحلق، مثل الجيم والشين، ويقابلها /dʒ/ و/ʃ/
- حنكية عظمية (Palatal): تُنتَج عن طريق رفع الجزء الأوسط من اللسان نحو الحنك الصلب، مثل الياء، ويقابلها /j/
- حنكية لحمية (Velar): تُنتَج باستخدام الجزء الخلفي من اللسان مع الحنك الرخو، مثل الكاف، ويقابلها /k/
- لهوية (Uvular): تُنتَج بواسطة ملامسة الجزء الخلفي من اللسان للّهاة، مثل القاف، ويقابلها /q/
- حلقية (Pharyngeal): تُنتَج عن طريق شدّ عضلات الحلق بحيث لا يتدفق الهواء بحرية، مثل العين والحاء، ويقابلهما /ʕ/ و /ħ/
- حنجرية (Glottal): تُنتَج بواسطة الأوتار الصوتية في الحنجرة، مثل الهمزة والهاء، ويقابلها الرمزان /ʔ/ و /h/
كما تُصنَّف وفق كيفية النطق إلى:
- أصوات انفجارية (Plosive): تنتَج عن طريق إيقاف تدفّق الهواء الخارج من الفم ثم إطلاقه فجأة. ومن أمثلتها في العربية: الباء والتاء والقاف والهمزة
- أصوات أنفية (Nasal): تنتج عندما ينخفض الحنك الرخو في مؤخرة الفم، مما يسمح للهواء بالمرور عبر التجويف الأنفي بدلا من الفم مثل الميم والنون
- أصوات احتكاكية/فركية (Fricative): تنتج عن طريق دفع الهواء عبر ممرّ ضيّق، مثل الفاء والصاد والغين
- أصوات انفجارية احتكاكية (Affricate): تتكوّن من صوت انفجاري يتبعه صوت احتكاكي، مثل الجيم
- أصوات تكرارية/تردّدية (Trill): تنتج عن طريق حركات صغيرة وسريعة جدا لأحد أعضاء النطق، كاللسان، مثل الراء
- أصوات انزلاقية (Approximants): تتكوّن عندما يمر الهواء بحرية شبه تامة في مجرى الفم، مثل حرف الياء في كلمة “يوم”، وليس عندما يكون بموضع حرف العلّة
- أصوات جانبية (Lateral): تنتج عندما يُمنَع تدفّق الهواء في وسط الفم، فيمرّ عبر الجانبين، مثل اللام
وتُقابل معظم الأصوات العربية المشتركة مع اللغة الإنجليزية، مثل الباء والميم والنون، رموزٌ لاتينية في الأبجدية الصوتية الدولية مثل /b/ و/m/ و/n/.
أما الأصوات العربية المميزة، فيُعبَّر عنها في الأبجدية الصوتية الدولية برموز مثل /ʕ/ للصوت (ع)، و/ħ/ للصوت (ح)، و/ɣ/ للصوت (غ)، و/x/ للصوت (خ)، و/q/ للصوت (ق)، و/ʔ/ للهمزة، وغيرها من الرموز.
الأصوات المتحركة
تتدرّج الأصوات المتحركة في الأبجدية الدولية بين المغلقة والمفتوحة والمتوسطة من حيث ارتفاع اللسان، وتتوزّع بين أمامية ومركزية وخلفية بحسب موضعه، إضافة إلى شكل الشفتين أثناء النطق.
وقد حدّد المختصون مواضع اللسان أثناء نطق الحركات الأساسية /i/ و/a/ و/u/ و/ɯ/ باستخدام صور الأشعة السينية.
ويقابل هذه الأصوات في العربية الحركات، فتُعدّ الكسرة، مثلا، حركة أمامية مغلقة (عالية) ويُرمز لها بـ /i/، إذ يكون اللسان في مقدمة الفم مع ارتفاعه داخل التجويف الفموي عند نطقها.
كما يُرمز عادة إلى الفتحة بالرمز /a/، وإلى الضمة بالرمز /u/، وذلك في توصيف الأصوات في العربية الفصحى، فعلى سبيل المثال، يمكن كتابة كلمة “كَتَبَ” على النحو /kataba/.
التشكيل
كما يضم نظام الأبجدية الدولية علامات تشكيلية يمكن إضافتها إلى الرموز الساكنة والمتحرّكة لتمثيل سمات صوتية معيّنة. فعلى سبيل المثال، يُستخدم الرمز (ˤ) للدلالة على التفخيم، وبناء على ذلك يُمثَّل صوت الطاء العربي بـ /tˤ/، كما في كلمة “طاولة” /tˤaːwila/، ويُمثَّل الصاد بـ /sˤ/، والضاد بـ /dˤ/، والظاء بـ /ðˤ/.
كذلك، تُستخدم الإشارات فوق المقطعية للتنبيه على سمات مرافقة للصوت مثل مدة النطق أو النبر، ومن ضمنها العلامة (ː)، لبيان أن الحركة تُنطق لفترة أطول من المعتاد. فعلى سبيل المثال، لوصف النطق الصحيح للمد في كلمة كِتاب، توضع هذه الإشارة بجانب رمز الفتحة (a) على النحو التالي: /kitaːb/.
استخدامات الأبجدية الصوتية الدولية
- المعاجم: تُستخدم الأبجدية الصوتية الدولية في العديد من القواميس المطبوعة والإلكترونية للمساعدة في توضيح النطق الصحيح للكلمات.
- تحليل اللغات: يُستخدم نظام الأبجدية الصوتية الدولية من قبل علماء اللغة والمختصّين في دراسة وتحليل اللغات، خاصة في العمل الميداني اللغوي، إذ يقوم اللغويون بزيارة المجتمعات وتوثيق كلام المتحدثين وتدوينه باستخدام رموز الأبجدية الدولية، وذلك لتحليل خصائص الأصوات والكلمات وتحديد السمات الصوتية المميّزة لكل لغة.
- التعليم: يستخدمه العديد من المعلمين لتسهيل شرح ووصف الأصوات المختلفة في اللغات للطلاب، مما يساعد على تحسين النطق واكتساب اللغة بدقة أكبر.
- الغناء: تستخدم العديد من المعاهد والمدارس الموسيقية ومدرّبي الصوت الأبجدية الصوتية الدولية لتدريب المغنّين على النطق الدقيق، كما يستخدمها المغنّون الكلاسيكيون لإتقان نطق الأغنيات المكتوبة بلغات أجنبية.
- دراسة اضطرابات النطق: يستخدم بعضُ أخصائيّي علاج النطق الأبجدية الصوتية الدولية لتوثيق النطق بدقة وتحليل الأخطاء، ومتابعة تطوّر الحالة العلاجية لدى الأفراد.
المصدر: الجزيرة





