عبدالله بندر العتيبي
أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر.
لم يعد ما يجري في مضيق هرمز مجرد تصعيد عسكري أو توتر سياسي عابر، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة الصراع الدولي ذاته.
نحن أمام لحظة تتجاوز حدود الخليج لتطرح سؤالا جوهريا: هل ما زالت الممرات البحرية محكومة بالقانون الدولي، أم إنها تدخل مرحلة إعادة التسييس حيث تدار وفق موازين القوة؟
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
لكن أهمية المضيق لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت سياسية وقانونية بامتياز. فالتطورات الأخيرة تشير إلى محاولة إعادة تعريف وظيفة المضيق: من ممر دولي مفتوح إلى أداة ضغط وإستراتيجية تفاوض.
تاريخيا، استندت حرية الملاحة في المضائق الدولية إلى قواعد راسخة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي كرست مبدأ المرور العابر(Transit Passage)، وهو مبدأ يمنع الدول المشاطئة من تعطيل الملاحة الدولية حتى في أوقات التوتر. بمعنى آخر، لا تملك أي دولة بما في ذلك إيران الحق القانوني في إغلاق المضيق بشكل أحادي.
لكن في المقابل، لا يمنح القانون الدولي أيضا أي دولة أخرى الحق في فرض حصار أو السيطرة على المضيق خارج إطار الشرعية الدولية، أو تفويض مجلس الأمن. وهنا تكمن المفارقة: ما نشهده اليوم هو وضع قانوني رمادي، حيث تتحرك القوى الكبرى ضمن هوامش القوة أكثر من التزامات القانون.
هذا التحول من قانون يحكم القوة إلى قوة تعيد تفسير القانون يحمل تبعات تتجاوز مضيق هرمز نفسه.
فإذا تم تكريس سابقة أن المضائق الدولية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي أو عسكري، فإن ذلك سيفتح الباب أمام إعادة النظر في وضع مضائق إستراتيجية أخرى، وعلى رأسها مضيق ملقا، الذي يمر عبره نحو 40% من التجارة العالمية.
في هذا السياق، يصبح التحرك الأمريكي في آسيا، خاصة من خلال تعزيز التعاون الأمني مع إندونيسيا، جزءا من صورة أكبر.
فالاتفاقيات الأمنية والتنسيق البحري بين واشنطن وجاكرتا- وإن كانت تبرر تحت عنوان أمن الملاحة- تعكس إدراكا أمريكيا متزايدا بأن الممرات البحرية لم تعد مجرد قنوات عبور، بل نقاط ارتكاز في الصراع مع القوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين.
بعبارة أخرى، ما يحدث في هرمز اليوم قد يتحول إلى “نموذج” يعاد تطبيقه في ملقا غدا. وإذا انتقل هذا النموذج، فإننا سنكون أمام تحول خطير من نظام ملاحي عالمي قائم على الانفتاح إلى نظام قائم على التحكم الانتقائي، حيث تدار الممرات وفق اعتبارات القوة والنفوذ.
وهذا التحول، إذا ترسخ، سيعيد تشكيل طبيعة العولمة نفسها؛ لأن العولمة قامت أساسا على افتراض أن حركة التجارة ستبقى مفتوحة ومستقرة.
ما الذي يحدث عندما يتآكل هذا الافتراض؟
الإجابة تكمن في أن الاقتصاد العالمي يصبح أكثر هشاشة، وأكثر ارتباطا بالتوترات السياسية. لم يعد الخطر فقط في إغلاق المضيق، بل في عدم اليقين المرتبط به. مجرد احتمالية التعطيل، أو التحكم كفيلة برفع الأسعار، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ودفع الدول لإعادة حساباتها الإستراتيجية.
بالنسبة لدول الخليج، فإن هذا التحول يحمل دلالات أعمق من مجرد تهديد اقتصادي. فهو يكشف أن موقعها الجغرافي الذي كان مصدر قوة قد يتحول إلى مصدر هشاشة إذا أصبح جزءا من لعبة دولية لا تتحكم بها. فالمضيق الذي يمثل شريان حياتها الاقتصادية، لم يعد فقط تحت تهديد إيراني، بل أصبح أيضا ضمن حسابات القوى الكبرى.
وهنا تتجلى الإشكالية الحقيقية: الخليج لم يعد يتعامل مع تهديد واحد، بل مع طبقات متعددة من التهديد: إقليمي، ودولي، وقانوني في آن واحد. وهذا التعقيد يجعل من الصعب التعامل مع الأزمة بأدوات تقليدية.
الأهم من ذلك أن هذا المشهد يعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل النظام الدولي نفسه. إذا فقدت القواعد القانونية قدرتها على تنظيم الممرات الإستراتيجية، فإن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها السيطرة بديلا عن الشرعية. وفي هذه الحالة، لن تكون المضائق مجرد نقاط عبور، بل نقاط نفوذ.
وهذا يعيدنا إلى الفكرة المركزية: ما يحدث في مضيق هرمز ليس صراعا على ممر مائي، بل صراعا على تعريف من يملك الحق في تنظيم هذا الممر. وإذا تم حسم هذا السؤال لصالح القوة، فإن ذلك لن يغير فقط توازنات الخليج، بل سيعيد تشكيل قواعد اللعبة في النظام الدولي ككل.
في النهاية، مضيق هرمز اليوم ليس مجرد جغرافيا، بل هو اختبار حقيقي لحدود القانون في عالم يتغير.
وإذا كانت الممرات البحرية قد شكلت تاريخيا أساس الاستقرار الاقتصادي العالمي، فإن تسييسها اليوم قد يكون بداية لمرحلة أكثر اضطرابا، حيث تصبح التجارة رهينة القوة، لا القواعد
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





