اللفيف العدلي بين ذاكرة الاستفاضة وحدود التحديث: شهود إثباتٌ أو نفي بلا أثرٍ ثابت
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– اللفيف العدلي بين تآكل الذاكرة وتحولات أنظمة التوثيق..
ما هي التحولات التي مست مؤسسة اللفيف العدلي في المغرب من خلال مقاربة تجمع بين التحليل الفقهي والتشخيص السوسيولوجي والنقد الإبستمولوجي؟
ننطلق من فرضية مفادها أن اللفيف ليس مجرد تقنيّة إثبات تقليديّة، بل صيغة لإنتاج الحقيقة القانونيّة داخل مجتمع شفهي، قبل أن يتعرض هذا النموذج للاهتزاز بفعل تفكك الجماعة الحاملة للذاكرة وصعود أنماط توثيق معياريّة ورقميّة.
يحاجج المقال بأن الإشكال لا يتعلق بصلاحيّة الإجراء في ذاته، بل بتحول شروط إنتاج الحقيقة القانونيّة، بما يستتبع إعادة النظر في العلاقة بين الشهادة والذاكرة والعدد بوصفه آلية لضبط اليقين القضائي.
لا يمكن مقاربة اللفيف العدلي بوصفه مجرد آلية تقنية ضمن منظومة الإثبات في القانون المغربي، بل ينبغي النظر إليه باعتباره بنية معرفية تعكس تصوراً تاريخياً للحقيقة داخل مجتمع تُنتج فيه الوقائع القانونية عبر الذاكرة الجماعية لا عبر الوثيقة.
فقد نشأ هذا النظام في سياق كانت فيه الجماعة هي الحاضن الأساسي للمعرفة، حيث تتقاطع الشهادات الحيّة لتنتج يقيناً قضائياً في غياب التوثيق المادي المستقل. غير أن هذا السياق تعرض لتحولات عميقة، أبرزها تفكك البنية الاجتماعية الحاملة للذاكرة، وتنامي الوسائط التقنية في إنتاج وتخزين المعلومات.
انطلاقاً من ذلك، لا يطرح المقال سؤال صلاحية اللفيف من عدمها، بقدر ما يطرح سؤالاً إبستمولوجياً أعمق: كيف يعاد تعريف الحقيقة القانونية حين تنتقل من الذاكرة الجماعية إلى أنظمة التوثيق المعيارية؟
– أولاً: الإطار الفقهي لللفيف العدلي: من الشهادة الفردية إلى البنية الجماعيّة لليقين
1. العدد بوصفه آلية لضبط اليقين:
لا يستند تحديد عدد الشهود في اللفيف إلى اعتباط حسابي، بل إلى منطق فقهي يهدف إلى رفع درجة الاطمئنان القضائي في سياق يغيب فيه التوثيق الكتابي. فالعدد اثنا عشر لا يشتغل كقيمة رقمية محضة، بل كبنية اجتماعية مصغّرة يُفترض فيها إنتاج درجة من التواتر تحول دون إمكان التواطؤ على الكذب أو الخطأ.
في هذا السياق، لا تُفهم الشهادة بوصفها نقل خبر فردي، بل بوصفها تمثيلاً لذاكرة جماعية تستمد قوتها من تراكب الخبرات وتعدد مصادرها داخل مجتمع متصل زمنياً ومعرفياً. وعليه، فإن وظيفة العدد لا تكمن في الكثرة، بل في إنتاج عتبة معرفية يصبح عندها إنكار الواقعة أو تحريفها غير قابل للاستمرار اجتماعياً.
غير أن هذا التصور يفترض شرطاً بنيوياً أساسياً يتمثل في وجود جماعة مستقرة قادرة على إنتاج واستمرار الذاكرة المشتركة. ومع اختلال هذا الشرط، يتغير معنى العدد نفسه، من كونه أداة لضبط التواتر إلى كونه مجرد متطلب إجرائي منفصل عن شروط إنتاجه الأصلية.
1. العلم المستفيض وإشكال الاستمرارية الاجتماعية:
يقوم مفهوم “العلم المستفيض” في الفقه المالكي على تجاوز احتمال التواطؤ على الكذب بفعل انتشار المعرفة داخل الجماعة. غير أن هذا المفهوم لا يستند إلى الكثرة العدديّة فقط، بل إلى استحالة إجتماع الخطأ داخل سياق اجتماعي متماسك.
وعندما تتفكك البنية الاجتماعية الحاملة للخبر، يصبح التعدد العددي غير كافٍ لضمان نفس درجة اليقين، لأن شرط الاستفاضة لم يعد قائماً. وهنا يظهر التوتر بين المفهوم الفقهي الأصلي وشروط تطبيقه المعاصرة، حيث يُطلب من بنية فقدت شروط إنتاجها أن تؤدي نفس الوظيفة التي كانت تؤديها سابقاً.
ثانيًا: التحولات الاجتماعيّة وإعادة تشكيل شروط الشهادة
1. من وفرة الذاكرة إلى ندرتها:
تكشف حالات تعذر استكمال نصاب الشهود في الواقع المعاصر عن تحول بنيوي في علاقة المجتمع بالذاكرة. فلم تعد المعرفة موزعة بشكل طبيعي داخل الجماعة، بل أصبحت محصورة أو منقطعة بفعل الهجرة، وتغير أنماط العيش، وتراجع الاستقرار المجالي.
في هذا السياق، يتحول اللفيف من آلية لتيسير الإثبات إلى عنصر يضيف تعقيداً على إمكانية إثبات الحق، وهو ما يطرح إشكالاً معيارياً حول مدى ملاءمة شروطه الأصلية للسياق الاجتماعي الجديد.
2. إشكالية الكيف بدل الكم:
إن افتراض أن تكثير الشهود يحد من التواطؤ يقوم على تصور كمي للضبط القضائي، غير أن الإشكال العملي يرتبط أساساً بكيفية إنتاج الشهادة وليس بعددها. ففي غياب آليات تحقق مستقلة، يمكن أن تُنتج شهادة جماعية متطابقة في مضمونها دون أن تكون بالضرورة معبّرة عن معرفة مستقلة.
وبذلك، يصبح السؤال المطروح ليس هو تقليص العدد أو الإبقاء عليه، بل إعادة النظر في شروط التحقق من استقلالية المعرفة التي تُبنى عليها الشهادة.
– ثالثاً: التحول الإبستمولوجي: من الذاكرة إلى الإجراء
1. الشكل بوصفه شرطاً لإنتاج الحقيقة:
لا يمكن اختزال العلاقة بين الشكل والروح في اللفيف العدلي في ثنائية تقليدية تقابل بين الجمود والجوهر. فالشكل الإجرائي لا يعمل كقالب خارجي للحقيقة، بل كجزء من شروط إنتاجها.
في السياق التاريخي الأصلي، كان العدد أداة لضبط احتمال الخطأ داخل مجتمع ينتج المعرفة عبر التواتر الشفهي. غير أن هذا الشكل نفسه أصبح لاحقاً مصدراً مستقلاً للشرعية، حتى في ظل تراجع شروطه الاجتماعية الأصلية.
وعليه، لا يتعلق الأمر بانفصال الشكل عن الروح، بل بتحول الروح نفسها إلى وظيفة داخل شكل إجرائي محدد. ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في فساد الشكل، بل في تغير البنية التي كانت تمنحه معناه.
2. انتقال مركز إنتاج الحقيقة:
إن التحول الذي يعرفه اللفيف يعكس انتقالاً أوسع في أنظمة إنتاج الحقيقة القانونية، من نموذج يعتمد على الذاكرة الجماعية إلى نموذج يعتمد على الإجراءات المعيارية والوسائط التقنية. وفي هذا السياق، تصبح الحقيقة أقل ارتباطاً بالتجربة المعيشة وأكثر ارتباطاً بآليات التحقق المؤسسي.
ولا يُفهم هذا التحول بوصفه مجرد تحديث تقني، بل بوصفه إعادة تعريف لشروط إمكان الحقيقة القانونية نفسها.
* خلاصة:
إن اللفيف العدلي لا يمثل مجرد مؤسسة إثبات تقليدية، بل يشكل مدخلاً لتحليل التحولات العميقة التي تطال مفهوم الحقيقة داخل النظام القانوني. فالتوتر القائم حوله لا يتعلق بصلاحية إجراء منعدم الفاعلية، بل بتحول جذري في العلاقة بين الذاكرة والإثبات، وبين الجماعة والإجراء.
وعليه، فإن الإشكال لم يعد يتمثل في الإبقاء على اللفيف أو إلغائه، بل في تحديد النموذج المعرفي الذي يؤسس للحقيقة القانونية في سياق تتراجع فيه الذاكرة الجماعية لصالح أنظمة التوثيق المعيارية.
ويبقى السؤال المؤسس مفتوحاً: هل ما تزال الحقيقة القانونية تحتاج إلى شهادة الذاكرة، أم أن الشهادة نفسها لم تعد سوى وظيفة داخل نظام يستمد يقينه من خارج الذاكرة التي أنتجته؟
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





