المدون الذي قهر مورينيو.. كيف نجح المدرب فاريولي بعيدا عن قوالب الكالتشيو؟

إيطاليا تلغراف متابعة

في عالم التدريب الحديث، نادرًا ما يظهر مدرب إيطالي يشق طريقه خارج القوالب التقليدية المعتادة في الكرة الإيطالية، لكن المدرب الشاب فرانشيسكو فاريولي اختار منذ البداية أن يكتب حكايته بطريقة مختلفة تماما.

المدرب الإيطالي البالغ من العمر 37 عاما نجح في أول مواسمه هذا العام مع نادي بورتو في قيادة الفريق للتتويج بلقب الدوري البرتغالي، مكتفيا بهزيمة واحدة فقط طوال الموسم، في إنجاز لافت أعاد “التنانين” إلى منصة التتويج بعد غياب دام 3 مواسم.

ولم يكن الأمر مجرد لقب محلي عابر، بل أول تتويج في المسيرة التدريبية لفاريولي، الذي دخل الموسم وسط الكثير من الشكوك، قبل أن يحول فريقه إلى آلة تنافسية منظمة قادرة على الصمود حتى النهاية في سباق شرس مع بنفيكا بقيادة “السبيشال وان” جوزيه مورينيو، والذي أنهى موسمه دون أي هزيمة.

لكن ما يجعل قصة فاريولي استثنائية فعلا، ليس فقط نجاحه السريع، بل الطريقة التي وصل بها إلى هذا المستوى. فبعكس كثير من المدربين الإيطاليين الذين دخلوا عالم التدريب بعد مسيرات طويلة كلاعبين، جاءت بدايات فاريولي من خلف شاشة كمبيوتر ومن عالم التحليل والكتابة التكتيكية والتدريبية.

من المقالات إلى مقاعد التدريب

في سن الخامسة والعشرين، لم يكن فاريولي سوى كاتب مقالات لمدونات تدريبية على الإنترنت، بينما كانت ملامح رحلته الحقيقية في عالم التدريب تتشكل بهدوء بالتزامن مع الانطلاقة الأولى للمدرب روبيرتو دي زيربي.

وفي أغسطس 2015، وتحديدًا في جنوب إيطاليا، كان دي زيربي يبدأ أولى خطواته التدريبية مع فريق “فوجيا” في دوري الدرجة الثالثة الإيطالي.

مباراة كأس مبكرة ضد فريق “لوتشيس” بدت عادية للجميع، لكنها كانت نقطة تحول حقيقية، وكما شرح فاريولي في تصريحات لموقع سكاي سبورتس، فإن مقاله التحليلي عن أسلوب دي زيربي في تلك الليلة الصيفية كان السبب المباشر في دخوله عالم التدريب الاحترافي.

وقال فاريولي: “بعد تلك المباراة، كان من المفترض أن أكتب مقالا لمدونة تدريبية. لم أختر مانشستر سيتي أو بايرن ميونيخ، بل اخترت فوجيا بقيادة دي زيربي”.

وأضاف: “وصل المقال إلى يديه، وأعتقد أنه أعجبه ما كتبته عنه. بعدها تواصل معي مدرب اللياقة البدنية الخاص به ماركو ماركاتيلي لينقل لي رأيه”.

كانت تلك اللحظة بداية علاقة مهنية وفكرية ستؤثر لاحقًا في مسيرة المدربين معًا.

من “أسباير” إلى مشروع دي زيربي

بعد عامين، كان فاريولي يعمل في أكاديمية أسباير في قطر، بينما كان دي زيربي يستعد لخوض تجربة جديدة مع بينيفينتو.

وللمرة الأولى في مسيرته، أصبح بإمكان دي زيربي اختيار جهازه الفني بالكامل، ولم يتردد في استدعاء الشاب الذي أعجب بأفكاره التكتيكية قبل سنوات.

وأوضح فاريولي: “في صباح أحد أيام الجمعة اتصل بي وطلب مني الانضمام إليه. كنت قد بدأت بالفعل في توضيب أغراضي والصعود إلى الطائرة! لقد جعل مدربًا شابًا سعيدًا للغاية. قضينا 3 مواسم رائعة معًا في بينيفينتو ثم ساسولو”.

وفي ساسولو، بدأت أفكار دي زيربي تلقى صدى أوسع داخل الكرة الإيطالية، بعدما نجح الفريق الصغير في فرض نفسه بأسلوب لعب جريء يعتمد على البناء من الخلف والاستحواذ المكثف حتى أمام كبار الدوري الإيطالي.

وخلال تلك الفترة، لم يكن فاريولي مجرد مساعد يتابع التفاصيل من الخلف، بل كان جزءًا من مدرسة تكتيكية كاملة أعادت تعريف الكثير من المفاهيم التقليدية في الكرة الإيطالية.

ومع مرور السنوات، بدأت سمعة فاريولي ترتفع تدريجيًا، تمامًا كما حدث مع دي زيربي في العمر نفسه، خاصة مع بحث الأندية الأوروبية عن جيل جديد من المدربين الشباب القادرين على تقديم كرة هجومية حديثة.

اللافت أن فاريولي نفسه لم يكن يتوقع أن يصبح مدربًا يومًا ما. فعندما كان حارس مرمى في التاسعة عشرة من عمره بإيطاليا، نصحه أحد مدربيه بالتوجه إلى عالم التدريب بدلا من الاستمرار كلاعب.

ورغم أن الفكرة كانت صعبة عليه في البداية، فإنه يعترف اليوم بأنها كانت أفضل قرار في حياته.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ التخطيط لمستقبله بعيدًا عن الملاعب، فحصل على شهادة في الفلسفة، قبل أن يقضي سنوات طويلة في دراسة التدريب والعمل على تطوير نفسه أكاديميًا وتكتيكيًا.

ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن يطلق عليه الإعلام الإيطالي لقب “دي زيربي الشاب”، بسبب التشابه الكبير بين فلسفتهما الهجومية واعتمادهما على الاستحواذ المكثف والبناء المنظم للهجمات.

تأثير دي زيربي

وبعيدًا عن الجانب التكتيكي، يتحدث فاريولي دائمًا بإعجاب واضح تجاه شخصية دي زيربي الإنسانية وطريقة تعامله مع اللاعبين.

وقال فاريولي في تصريح لشبكة سكاي سبورتس: “إنه شخص شجاع وشغوف للغاية ويتمتع بقيم قوية. لم أتفاجأ بأنه بقي في أوكرانيا عندما اندلعت الحرب وهو مدرب لشاختار دونيتسك، حتى يغادر جميع اللاعبين”.

وتابع:”لأنني أعرفه جيدًا، أعرف كم يهتم باللاعبين والنادي. شخصيته هكذا، وهو يُظهر الاحترام للجميع”.

وربما تكشف هذه التصريحات جانبًا مهمًا من شخصية فاريولي نفسه، فهو لا يبدو مجرد مدرب مهووس بالتكتيك والاستحواذ، بل ابن مدرسة تؤمن بأن كرة القدم تبدأ من الإنسان قبل الخطط والرسومات.

واليوم، بعد قيادته بورتو إلى لقب الدوري البرتغالي في موسمه الأول، يبدو أن المدرب الإيطالي الشاب لم يعد مجرد “تلميذ دي زيربي”، بل مشروع مدرب كبير يشق طريقه الخاص بثبات داخل كرة القدم الأوروبية.

فاتح قره جمرك.. صنع الانتباه

في مارس 2021، تولى فاريولي تدريب فاتح قره جمرك، في أول تجربة له كمدرب أول، وكان يبلغ حينها 31 عاما فقط، ليصبح واحدًا من أصغر المدربين في تاريخ الدوريات الأوروبية المحترفة.

ومنذ وصوله، أحدث المدرب الإيطالي تحولا واضحًا في طريقة لعب الفريق، معتمدًا على فلسفة الاستحواذ والبناء المنظم للهجمات من الخلف، وهي أفكار لم تكن منتشرة بشكل واسع في الدوري التركي آنذاك.

وتمكن فاريولي من فرض أسلوب لعب قائم على السيطرة على الكرة، حيث تجاوز متوسط استحواذ فريقه نسبة 61%، في رقم اعتُبر لافتًا داخل الكرة التركية في تلك الفترة.

وخلال تجربته مع فاتح قره جمرك، قاد الفريق في 27 مباراة، حقق خلالها 11 انتصارا و8 تعادلات، بمعدل بلغ 1.52 نقطة في المباراة الواحدة.

كما عمل مع عدد من الأسماء المعروفة، أبرزها المهاجم فابيو بوريني، الذي ظهر كهداف الفريق تحت قيادته.

ألانيا سبور.. الانطلاقة الحقيقية.

في النصف الثاني من موسم 2021-2022، قدم المدرب الإيطالي واحدة من أبرز تجاربه في الدوري التركي، بعدما قاد الفريق لإنهاء الموسم في المركز الخامس، مبتعدًا بفارق نقطة واحدة فقط عن التأهل إلى المسابقات الأوروبية.

ولم يتوقف نجاحه عند الدوري، إذ تمكن أيضًا من قيادة ألانيا سبور إلى نصف نهائي كأس تركيا في الموسم نفسه، ليؤكد قدرته على المنافسة رغم محدودية الإمكانيات مقارنة بالأندية الكبرى.

واستمر فاريولي مع الفريق خلال موسم 2022-2023 حتى فبراير 2023، قبل أن يقرر الرحيل برغبته بعد خوض 22 مباراة في الدوري.

وخلال مجمل تجربته مع ألانيا سبور، قاد الفريق في 48 مباراة رسمية، حقق خلالها 21 انتصارا و11 تعادلا، وهي أرقام عززت مكانته كأحد أبرز المدربين الشباب الصاعدين في أوروبا.

نيس.. بناء فريق يصعب كسره

حين وصل المدرب فرانشيسكو فاريولي إلى نادي “أو جي سي نيس” (OGC Nice) في صيف عام 2023، كانت الأنظار تتجه إليه باعتباره أحد تلاميذ مدرسة المدرب روبرتو دي زيربي، ومدربا شابا يحمل أفكارا هجومية جريئة تعتمد على الاستحواذ والبناء القصير من الخلف.

لم يقدم فاريولي في فرنسا نسخة “استعراضية” بقدر ما قدم فريقا متوازنا للغاية، يعرف كيف يدافع بصلابة ويهاجم بذكاء. في موسمه الوحيد مع نيس 2023-2024، نجح في تحويل الفريق إلى أحد أكثر الفرق تنظيما في الدوري الفرنسي.

ورغم الإمكانات المحدودة مقارنة بعمالقة المسابقة مثل نادي باريس سان جيرمان ونادي أولمبيك مارسيليا ونادي إيه إس موناكو، فإن نيس ظهر خصما معقدا يصعب اختراقه. أبرز ما ميز الفريق تحت قيادته كان الصلابة الدفاعية والانضباط التكتيكي.

فاريولي لم يكن مدربا يطارد الاستحواذ لمجرد الاستحواذ، بل حاول خلق فريق يتحكم بإيقاع المباريات ويجيد إغلاق المساحات والضغط المنظم، وهو ما جعل نيس من أقوى الخطوط الدفاعية في البطولة خلال فترات طويلة من الموسم.

ومع مرور الجولات، بدأ اسم نيس يظهر ضمن فرق المقدمة، بل إن الفريق عاش فترات نافس خلالها على المراكز الأوروبية بثبات كبير، مستفيدا من شخصية جماعية واضحة وقدرة كبيرة على اللعب تحت الضغط. ورغم أن الفريق أنهى الموسم في المركز الخامس، فإن التجربة اعتُبرت ناجحة جدا بالنسبة لمدرب لم يتجاوز حينها الرابعة والثلاثين من عمره.

أياكس.. مغامرة الضغط والتاريخ

بعد التجربة الفرنسية الناجحة، جاءت الخطوة الأكبر في صيف 2024 عندما قرر أياكس أمستردام الهولندي منحه مهمة إعادة بناء الفريق الهولندي التاريخي.

أياكس لم يكن يعيش أفضل فتراته، والجماهير كانت تبحث عن مدرب يعيد للفريق شخصيته الكروية المعروفة القائمة على الكرة الهجومية والجرأة والسيطرة، وهي أفكار بدت منسجمة تماما مع فلسفة فاريولي.

وما جعل التعيين حدثا لافتا أن فاريولي أصبح أول مدرب أجنبي يقود أياكس منذ عقود، في خطوة عكست حجم الثقة التي بدأت الأندية الأوروبية تضعها في المدرب الإيطالي الشاب.

منذ الأسابيع الأولى، حاول فاريولي إعادة بناء الفريق ذهنيا وتكتيكيا، معتمدًا على رفع جودة الاستحواذ، وتنظيم عملية الضغط، وإعادة الثقة للاعبين الشباب، وهي عناصر تعد جزءًا أساسيا من هوية أياكس التقليدية.

ومع تقدم الموسم، دخل الفريق بقوة في سباق الدوري الهولندي، وظهر منافسا حقيقيا على اللقب بعد فترة من التراجع وعدم الاستقرار. ومع أياكس أمستردام، خسر فاريولي لقب الدوري الهولندي في موسم 2024 – 2025 بطريقة درامية وغير متوقعة في آخر جولة لصالح آيندهوفن بفارق نقطة وحيدة، وبكى فاريولي على أرض الملعب بخسارة لقب كان بين يديه.

اللافت أن أياكس تحت قيادته بدا أكثر نضجا من الناحية التكتيكية، حيث حاول فاريولي المزج بين أسلوب اللعب الهولندي التقليدي والانضباط الإيطالي في إدارة المباريات.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...