تعيد القمة الـ48 لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي تصدّرت أعمالها المنعقدة في الفلبين، تداعيات حرب إيران وأزمة الطاقة في الشرق الأوسط، طرح تساؤلات جوهرية حول أهمية الرابطة ودور قراراتها الجماعية في مواجهة الصدمات العالمية.
فقد برزت هشاشة الاقتصادات المعتمدة على استيراد الوقود، مما سلّط الضوء على وزن آسيان الاقتصادي، وتأثيرها في أسواق الطاقة، وقدرتها على تنسيق استجابة مشتركة بحجم تكتل يضم أحد أكبر الاقتصادات الإقليمية في العالم.
ما رابطة آسيان؟
هي منظمة إقليمية سياسية اقتصادية تأسست عام 1967 في بانكوك، تشكلت أولا من 5 دول، هي: إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلند، وهي الآن تضم 11 دولة يبلغ تعداد سكانها نحو 700 مليون نسمة.
وتهدف إلى تعزيز التعاون والتكامل بين دول جنوب شرق آسيا في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، وتطورت من إطار للتقريب السياسي ومنع النزاعات، إلى تكتل اقتصادي يُعد اليوم سابع أكبر اقتصاد في العالم وأحد أبرز الأقاليم النامية تأثيرا فيه.
ما وزن آسيان اقتصاديا؟
تمثل رابطة دول آسيان حاليا سابع أكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي إجمالي يناهز 3.8 تريليونات دولار، ويبلغ عدد سكان دولها نحو 700 مليون نسمة، مما يجعلها من أكبر الأسواق الاستهلاكية عالميا ومحركا مهما للنمو المستقبلي.
وتتسم اقتصادات الرابطة بتباين واضح؛ إذ تشكل إندونيسيا الثقل الأكبر من حيث حجم الاقتصاد وعدد السكان، في حين تُعد سنغافورة مركزا ماليا وتجاريا عالميا، بينما تمثل فيتنام وتايلند وماليزيا قواعد صناعية وتصديرية رئيسية في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
ويوفر هذا التنوع الاقتصادي لآسيان قدرة عالية على التكيف والنمو، لكنه في المقابل يفرض تحديات إضافية على صعيد تنسيق السياسات واتخاذ القرار الجماعي داخل الرابطة.
ما علاقتها بسوق الطاقة؟
على الرغم من أن بعض دول آسيان منتجة للطاقة، فإن الرابطة عموما تُعد من بين أكبر المناطق المستوردة للنفط والغاز، وتعتمد بشكل كبير على الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، لا سيما تلك التي تمر عبر مضيق هرمز.
وتكمن أهمية آسيان في مجال الطاقة في ثلاثة أبعاد:
- حجم الطلب المتزايد بسبب النمو الصناعي والسكاني.
- موقعها الجغرافي على طرق التجارة والطاقة العالمية.
- حساسيتها للأزمات الجيوسياسية التي ترفع أسعار الطاقة وتُربك سلاسل الإمداد.
كيف أثّرت حرب إيران في آسيان؟
أدت الحرب على إيران، وما رافقها من إغلاق مضيق هرمز، إلى انقطاع أو اضطراب تدفقات الطاقة العالمية، وكان الأثر على آسيان مباشرا ومرتبطا أيضا بمخاوف متمثلة في ارتفاع أسعار الوقود وتهديد أمن الطاقة وضغوط تضخمية على الاقتصادات المحلية إلى جانب المخاوف والأخطار على الأمن الغذائي بسبب ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
كيف تعاملت القمة مع التطورات؟
هيمنت أزمة الشرق الأوسط والحرب على إيران على أعمال القمة المنعقدة في مدينة سيبو الفلبينية، حيث اعتُبر ملف الطاقة أولوية قصوى، متقدما على الملفات التقليدية مثل النزاعات الداخلية.
ولعل هذا “التوازن” يضع دول آسيان أمام معادلة: الاستفادة من الطرفين دون الانحياز الكامل لأي منهما.
وقد أكّد قادة في رابطة آسيان، خلال قمتهم الأخيرة في مدينة سيبو الفلبينية، أن الرابطة تقف صفا واحدا للتعامل بتكاتف مع تداعيات حرب إيران وحالة عدم اليقين في الشرق الأوسط، مشددين على أن استمرار اضطرابات الطاقة يشكل تحديا مباشرا لاقتصاداتهم المعتمدة على استيراد الوقود.
وأشار الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن، بصفته رئيس القمة، إلى ضرورة تحلي آسيان بالمرونة وتعزيز قدرتها على الصمود، في حين دعت وزيرة الخارجية الفلبينية ماريا تيريزا لازارو إلى رفع مستوى التنسيق في إدارة الأزمات وتحسين الجاهزية المؤسسية.
كما قال وزير الخارجية التايلندي سيهاساك فوانجكيتكيو إن دول آسيان قلقة من الحرب وتريد إنهاءها “وأدعو لتمديد وقف إطلاق النار لأجل غير مسمى”.
وأعلن وزراء اقتصاد الرابطة ضرورة الاتفاق على تدابير استجابة عملية لتعزيز أمن الطاقة والغذاء، مع تكثيف التنسيق الإقليمي. وأظهرت مسودة البيان الختامي أن قادة آسيان سيدعون إلى وقف الأعمال القتالية، واعتماد حسن النيات في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، واحترام القانون الدولي، وإعادة فتح مضيق هرمز.
وتسعى الفلبين، التي ترأس آسيان حاليا، إلى تسريع الموافقة على اتفاق إطاري إقليمي لتقاسم النفط بين دول الرابطة، وهو اتفاق يهدف إلى ضمان الوصول إلى الإمدادات في حالات الطوارئ وتقليل التنافس الداخلي بين الدول الأعضاء وتوفير مظلة أمان جماعية في أوقات انقطاع الإمداد الخارجي.
غير أن الاتفاق لا يزال طوعيا وتجاري الطابع، مما يطرح تساؤلات حول فعاليته في الأزمات الكبرى ما لم يتحول إلى آلية أكثر إلزاما.
كما ترى تقارير أن أزمة الطاقة عززت موقع آسيان بوصفها ساحة تنافس بين واشنطن وبكين، فالولايات المتحدة تُصوَّر في الخطاب الإقليمي بأنها قوة مُربِكة بسبب الحروب والعقوبات، في حين تحاول الصين تقديم نفسها على أنها شريك مستقر، ومورّد موثوق به، ومستثمر رئيسي في البنية التحتية والطاقة.
ما تحديات تحولات الحرب والنفوذ؟
لا يخلو الواقع أمام “آسيان” من تحديات، منها صعوبة التنسيق الجماعي بسبب مبدأ عدم التدخل وتفاوت المصالح بين الدول الكبيرة والصغيرة. يضاف إلى ذلك تراكم أزمات داخلية (ميانمار، النزاع التايلندي الكمبودي) وغياب إستراتيجيات ملزمة، والاكتفاء ببيانات سياسية عامة.
ومع هذا، لم تعد الرابطة مجرد تكتل اقتصادي نامٍ، بل تحولت إلى مؤشر حساس لاضطرابات النظام العالمي للطاقة، وترى قمتها الأخيرة أن أمن الطاقة أصبح اختبارا حقيقيا لقدرة الرابطة على الانتقال من إطار تشاوري يكتفي بالبيانات، إلى فاعل إقليمي قادر على إدارة الأزمات والاستجابة للصدمات الخارجية.
وبين تداعيات الحرب على إيران، وتعطّل مضيق هرمز، وتنامي التنافس بين القوى الكبرى، تجد آسيان نفسها أمام تحد مزدوج: حماية مصالح اقتصادات تعتمد على استيراد الطاقة، وصون استقرار التكتل.
وفي الوقت ذاته، لم تعد آسيان بعيدة عن اشتباك النفوذ الجيوسياسي، إذ برزت كساحة تنافس مفتوحة بين الولايات المتحدة والصين، حيث توسّع بكين حضورها عبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة ضمن “الحزام والطريق”، مقابل مساعي واشنطن لتعزيز تحالفاتها ومساراتها البديلة.
وبين ضرورات التنمية وحسابات النفوذ، تحاول دول جنوب شرق آسيا صياغة معادلة توازن، تحمي مصالحها الإستراتيجية وتمنحها هامش حركة، دون الانزلاق إلى اصطفافات قد تقيّد خياراتها في مرحلة عالمية شديدة الاضطراب.
المصدر: الجزيرة






