“ملّة إبراهيم” .. طريق التوحيد الخالص والأساس الذي قامت عليه دعوة الأنبياء

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د.علي محمَّد الصلَّابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

 

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا أن الإعراض عنها لا يكون إلا عن جهلٍ وسفهٍ في النفس، لأنها موافقة للفطرة السليمة والعقل المستقيم. كما أبرزت الآيات الكريمة منزلة إبراهيم عليه السلام، إذ اصطفاه الله في الدنيا وجعله إمامًا للموحدين، ورفع درجته في الآخرة بين الصالحين. ومن خلال هذه الآيات تتجلّى عظمة ملة إبراهيم، وتظهر مكانتها في بناء العقيدة الإسلامية وترسيخ معاني التوحيد الخالص لله تعالى. قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} ]البقرة:130[:
ملة إبراهيم (عليه السلام) هي ملة التوحيد والإسلام وإفراد العبودية لله، وهكذا ارتفع البيت وجعلت في الأرض دعوة التوحيد وملّته وهي ملة إبراهيم (عليه السلام) الذي جعله سبحانه إمام الموحدين، فما بعث نبي بعده إلّا من ذريته داعياً إلى ملته فلا ينبغي لأحد أن يرغب عن هذه الملة (مسلم، 1/198).
أ- قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}:
لقد دعا الله تعالى إلى ملة إبراهيم الناس جميعاً من بعده؛ لأنّها إجابة للفطرة وتنبعث من النفس المستقيمة واتجاه العقل الحكيم (أبو زهرة، 1/411).
والاستفهام للاستبعاد والإنكار وفيه توبيخ وتقريع للذين انحرفوا عن ملة التوحيد، كاليهود والنصارى، والمشركين (مسلم، 1/198).
والمعنى لا يرغب عن ملة إبراهيم ويتركها متجاوزاً لها إلى غيرها من الأوهام الباطلة إلا من سفه نفسه وقول {وَمَنْ يَرْغَبُ} فيها التجاوز والترك إلى أوهام، ونقيض يرغب عنها: يرغب فيها، فالرغبة فيها إقبال عليها والرغبة عنها تجاوز عنها وترك لها، وهذا يتضمن أمرين؛ أولهما: أنه علمها وكان ينبغي أن يرغب فيها ولكنها تجاوزها وتركها لا عن انصراف مجرد، بل عن قصد وإعراض، وثانيهما: أنه اتجه ورغب في غيرها ونفى الله تعالى الرغبة عنها إلا ممن سفه نفسه (أبو زهرة، 1/412).
وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} جعلها في حمق ورعونة؛ لأنّ النفس الإنسانية المستقيمة تتجه إلى الله لما في داخلها من ينبوع الخير الداعي إلى إدراك الحق المستقيم، فالنفس الإنسانية لو تأملنا في خلقها وتكوينها تهدي وترشد إلى الحق ولقد قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)}] الذاريات:21-22[ (أبو زهرة، 1/412).
قال الشنقيطي – رحمه الله-: قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} الآية لم تبيّن هنا ما ملة إبراهيم، وبيّنها بقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ]الأنعام:61[، فصرّح في هذه الآية بأنها دين الإسلام بعث الله به نبيه محمداً ﷺ، وكذا في قوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ]النحل:123[، وقال في سورة الحج: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} ]الحج:78[ (الشنقيطي، 1/86).
وإنَّ ملَّة إبراهيم كانت ملة النبيين؛ لأنّ الله تعالى اختاره للإمامة وابتلاه بالكلمات، ولأنه كان يشكر نعم ربه ولأنه اختاره لبناء البيت، ولأنه اختاره لتعليم مناسك الحج، ولأنه اختاره ليكون أباً الأنبياء (أبو زهرة، 1/412)، ولذلك كله قال تعالى:
ب- قوله تعالى: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}:
ومعنى اصطفاه الله تعالى، أي اختاره بعد أن ابتلاه بما صفى نفسه وخلصها لله تعالى، وصار ليس في قلبه موضع لغيره فاختاره من بين خلقه خليلا له، وكان أمة وإماما، وكان أواها حليما رجاعا إلى الله تعالى دائما، وأكد سبحانه وتعالى أنه في الآخرة لمن الصالحين، ففي الدنيا اصطفاه، فكان معه فيها على الخير المطلق، وقد ابتلي فأحسن البلاء، وكان صفيا وكان وليا، واختصَّ بأن يكون خليلاً (أبو زهرة، 1/413).
وقد أكد سبحانه وتعالى أنه في زمرة الصالحين الذين نالوا رضوان الله بقوله: {وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}، فأكد بإنّ الدالة على توكيد الخبر وأكّد بـــ “اللام” في قوله لمن الصالحين، وأكد بتقديم في الآخرة، وذلك التأكيد؛ لأنه من الذين وصلوا إلى أعلى درجات الصلاح، وإن عده من الصالحين يوم القيامة إنما كان لأنه أخلص وأسلم وجهه لله رب العالمين مستجيباً طلب الله تعالى منه، إذ طلب ربه منه أن يكون كله له وحده ولذا قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (أبو زهرة، 1/414).

المصادر والمراجع:
1. مسلم، مصطفى، (2010). التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، نخبة من كبار علماء القرآن وتفسيره بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم، كلية الدراسات العليا والبحث العلمي، جامعة الشارقة، الإمارات العربية، 2010م.
2. أبو زهرة، محمد، (2008). زهرة التفاسير، دار الفكر العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 2008م.
3. الشنقيطي، محمد الأمين، (1995). أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1415هـ، 1995م.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...