في تصدير أزمة الهجرة غير النظامية إلى تونس

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

المهدي مبروك
وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. أستاذ جامعي.

 

 

صدرت في الأسبوع الماضي بيانات عدة من منظّمات دولية حقوقية تندّد بما آل إليه وضع المهاجرين القادمين، في جلّهم، من بلدان جنوب الصحراء. وتنشر هذه المنظّمات تباعاً، منذ أسابيع، جملةً من التقارير والأفلام التي توثّق مأساة هؤلاء المهاجرين الذين وقعوا بين فكّي كماشة مفترسة لا قدرة لهم على الخلاص من آلامها. وتعتزم السلطات التونسية ترحيل ما يناهز عشرة آلاف مهاجر خلال السنة الحالية، بتمويل من منظّمات دولية معنية بأزمة الهجرة، على غرار المنظّمة العالمية للهجرة، والصليب الأحمر الدولي، والمنظّمة العالمية للاجئين، والاتحاد الأوروبي، وإيطاليا بشكل خاص. وذلك في إطار برامج تعاون متعدّدة الأطراف، من شأنها أن تخفّف العبء عن تونس، وتنهي آلام هؤلاء المهاجرين الذين تحوّلت حياتهم إلى جحيم. يُحشد هؤلاء، طوعاً أو كرهاً، في الخلاء، على تخوم مدينة صفاقس، في غابات الزيتون قرية العامرة (300 كلم جنوب)، وتحت خيام رثة وأكواخ دبّروها بجهد ذاتي، من دون أيّ مرافق صحّية من ماء وكهرباء وحمّامات وغذاء. تحدث هذه المآسي القريبة منا، والبعيدة من مشاعرنا وأحاسيسنا، في ظلّ موجات كراهية غير مسبوقة تفتك بقطاع واسع من الرأي العام التونسي.
في مناخ الشعبوية السياسية التي تعصف بالبلاد، منذ أكثر من خمس سنوات تقريباً، تحوّل مجرّد التعبير عن أدنى مشاعر التعاطف مع هؤلاء المهاجرين إلى تهمة يمكن أن تجرّ صاحبها إلى القضاء، فضلاً عن أشكال مختلفة من السحل الإلكتروني، الذي تتوثّب إليه آلاف الحسابات المجنّدة، في ما يشبه الكتائب الإلكترونية، للإجهاز على أيّ صوت يدافع عن حقوق المهاجرين، أو يدعو، على الأقلّ، إلى معاملتهم معاملةً إنسانيةً تليق بكرامة البشر.

تحوّلت الهجرة إلى تهمة تلاحق عشرية الانتقال الديمقراطي في تونس

استغلّ الاتحاد الأوروبي الأزمة الاقتصادية الحادّة التي مرّت بها تونس بعد أزمة كوفيد – 19، والتي كادت أن تؤدّي بها إلى الإفلاس، لإملاء ما عجز عنه سابقاً حتى حين كانت البلاد في أقصى فترات ضعفها. قدّمت إيطاليا نفسها وسيطاً بين الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي من جهة، والسلطات التونسية من جهة ثانية، من أجل إقناعهما بمساعدة تونس حتى تخرج من أزمتها المالية الخانقة، شريطة أن تبذل قصارى جهدها حتى تتحوّل إلى حارس حدود متقدّم تُوكل إليه مهمّة مكافحة الهجرة. والحقيقة أن الاتحاد الأوروبي كان يأمل أكثر، أي قبول تونس إنشاء مراكز إيواء للمهاجرين على أراضيها، وهم المرحّلون من بلدان الاتحاد الأوروبي لإعادتهم لاحقاً إلى بلدانهم الأصلية مقابل أموال ضخمة، غير أنّ السلطات التونسية رفضت هذا العرض الأخير، وظلّت مكتفية بالتصدّي لأفواج المهاجرين، وهي التي قبلت استقبال المرحَّلين إليها من مواطنيها من طريق التعاون الثنائي، في حين ظلّت بعض البلدان الأخرى، على غرار الجزائر وليبيا وغيرهما من البلدان المغاربية ترفض مثل هذا العرض جملةً وتفصيلاً. لذلك، أبلت تونس البلاء الحسن في التصدّي لأفواج المهاجرين، فلقد تمكّنت، خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة الماضية، من إجهاض ما يناهز 2600 عملية إبحار خلسة باتجاه الشواطئ الإيطالية.
لذلك، يحقّ لرئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني أن تتباهى بقدرتها الخارقة على خفض أعداد المهاجرين غير الشرعيين الراغبين في الوصول إلى أراضيها، فلقد انخفض عدد الوافدين بنسبة تقارب 60% خلال السنتَين الماضيتين. في قلب المتوسّط، تحوّلت تونس من أرض عبور، يمرّ منها الحالمون سنوياً إلى أوروبا بعشرات الآلاف، في أقلّ من عشر سنوات، إلى مصيدة للمهاجرين. من يدخلها لا يستطيع أن يغادرها إلى الشواطئ الإيطالية، وحتى العودة غدت مستحيلةً في ظلّ تباطؤ تمويل إجراءات الترحيل. وطول إقامة المهاجرين في وضعيات هشّة قد تدفعهم، بين حين وآخر، إلى ارتكاب بعض الجرائم، على غرار السرقات والنهب واقتحام البيوت الخاصّة وغيرها. ويستغلّ اليمين المتطرّف الذي تمثّله أحزاب وجمعيات تكاثرت مؤخّراً في تونس، فضلاً عن مؤثّرين في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، ذلك في قرع جرس الإنذار وإثارة مشاعر الخوف والهلع من “استعمار” محتمل للبلاد وتغيير هُويّتها. ثمّة مشاعر حقيقية من الذعر تغذّيها مثل هذه المواقف.
لا أحد قادراً على الدفاع عن هؤلاء المهاجرين، فقد أوقفت السلطات التونسية عشرات المدافعين عنهم، وهم من المنتسبين إلى جمعيات وطنية ومنظّمات غير حكومية متعدّدة، بذريعة تهم تتعلّق بالفساد المالي، وذلك ما شلّ قدرات المجتمع المدني، حتى تحوّل هؤلاء من مناضلين إلى خونة ومرتزقة وفاسدين. وتحوّلت الهجرة خلال السنوات الماضية إلى تهمة تلاحق عشرية الانتقال الديمقراطي، إذ يعمد أنصار الرئيس وخصوم تلك العشرية إلى اتهام تلك الحقبة بأنّها كانت حقوقية وإنسانية أكثر من اللازم، مما فتح البلاد أمام المهاجرين “المتآمرين” على أمن البلاد وهُويّتها، والحال أنّ التكفّل بحراسة شواطئ الاتحاد الأوروبي هو الذي حوّل البلاد إلى مصيدة للمهاجرين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...