لم تعد الدبابات وحدها تحسم المعارك، ولا الجنود في الخنادق هم الصورة الكاملة للحرب الحديثة، ففي أوكرانيا، تُدار المعارك بطائرات مسيّرة يقودها شبان عبر شاشات رقمية، وتُستهدف المدن ومصانع الطاقة من مسافات تتجاوز ألف كيلومتر.
وفي مقال بصحيفة وول ستريت جورنال ، أكد كاتب العمود والمحلل الأمريكي وولتر راسل ميد أن زيارته الأخيرة لأوكرانيا كشفت له أن طبيعة الحروب تتغير اليوم بسرعة هائلة وبشكل أكثر راديكالية مما يدركه معظم المراقبين والجيوش حول العالم.
وروى مشاهد من داخل العاصمة الأوكرانية كييف تعكس التحول الجذري في طبيعة القتال، قائلا إن الأسلحة التقليدية -مثل البنادق والمدافع والدبابات- بدأت تتراجع أهميتها لتلحق بركب السيوف وفرق الخيالة في التاريخ العسكري الغابر.
وأوضح كيف تحولت المنطقة الفاصلة بين الجيشين الأوكراني والروسي إلى منطقة رمادية موبوءة بأسراب الطائرات المسيَّرة، لدرجة أن عمليات إجلاء الجرحى باتت تستغرق أحيانا من أسابيع إلى شهرين.
وأشار في هذا الصدد إلى أن المسعفين لم يعودوا يضمّدون جراح المصابين بطلقات الرصاص لأن المسيَّرات حلّت محل البنادق، وأصبح القتال يديره شبان في العشرينيات من العمر يستخدمون مهارات اكتسبوها من ألعاب الفيديو لتوجيه طائرات مسيرة تهاجم الجنود الروس ودباباتهم.
واستخدم الكاتب تعبيرا بلاغيا، حيث قال إن “الإبهام على عصا التحكم في توجيه المسيّرات حل محل الأصابع على الزناد”، في توصيف يلخص الانتقال من حرب الخنادق إلى حرب الشاشات والأنظمة غير المأهولة.
تغير موازين القوى التكنولوجية في الحرب يميل الآن في صالح أوكرانيا، والأسس التي تقوم عليها حرب الطائرات المسيّرة تصب في مصلحة الدفاع على حساب الهجوم
تغير في ميزان القوة
ويرى مراقبون أن هذه الحرب تقدم دروسا عسكرية ستؤثر على عقائد الجيوش الكبرى لعقود مقبلة، لأن الحرب لم تعد تعتمد فقط على حجم القوات أو أعداد الدبابات، بل على القدرة على الدمج بين التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والضربات الدقيقة منخفضة الكلفة.
وفي نظر راسل ميد أن هذا التحول وضع كل الفرضيات العسكرية السابقة على طاولة التقييم اليومي، وأثبت أن التكنولوجيا تعيد تشكيل الجيوش.
ومضى الكاتب إلى القول إن تغير موازين القوى التكنولوجية في الحرب يميل الآن لصالح أوكرانيا، منوِّها بأن الأسس التي تقوم عليها حرب الطائرات المسيّرة تصب في مصلحة الدفاع على حساب الهجوم، مما يعني أن القوات الأوكرانية الأصغر حجما قادرة على صد أعداد أكبر من المهاجمين الروس، مع تكبيدهم خسائر فادحة مقابل كل شبر يسيطرون عليه.
ومع ذلك يستدرك راسل ميد أن هذا الوضع قد يتغير بين عشية وضحاها، إذ يسابق الطرفان الزمن في خضم صراع تتكشف فصوله وسط ثورة متسارعة في التكنولوجيا العسكرية.
إستراتيجية أوكرانيا الجديدة
وفي تحليل إستراتيجي أكثر رصانة وعمقا، أفردت مجلة فورين بوليسي مساحة واسعة لمقال كتبه الصحفي المتخصص بول هوكينز لتشريح العقيدة العسكرية الجديدة لكييف.
واستند هوكينز -وهو كاتب عمود رأي بالمجلة الأمريكية- إلى تصريح أدلى به الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مارس/آذار 2025، حين قال إن “الحرب جاءت من روسيا، ويجب أن تعود إليها”، مضيفا أن موسكو “هي التي ينبغي أن تُجبر على السلام”.
وطبقا للمقال، فقد كثفت أوكرانيا في الآونة الأخيرة هجماتها على مصافي تكرير النفط، ومصانع الأسلحة، ومراكز القيادة العسكرية داخل العمق الروسي، مستفيدة من تطور كبير في مدى ودقة الطائرات المسيّرة.
وأبان هوكينز في تحليله أن كييف انتقلت رسميا إلى مرحلة “التحييد الإستراتيجي” للأصول الحيوية داخل روسيا، وهو تحول ذكي أدى إلى تقليص الهجمات البرية التي تُكلفها خسائر بشرية ومادية فادحة، والاستعاضة عنها بحرب برية وبحرية وجوية غير متناظرة تستهدف تقويض الاقتصاد الروسي.
ورأى الكاتب أن تكثيف أوكرانيا هجماتها مؤخرا على مصافي تكرير النفط ومصانع الأسلحة ومراكز القيادة العسكرية في العمق الروسي، أضعف الروح المعنوية في الداخل، واعتبر أن الإستراتيجية التي تتبعها كييف باتت تؤتي ثمارها بوضوح في العام الخامس للحرب، مجهضة الزخم البري الروسي الذي شُلَّ تماما في الآونة الأخيرة.
روسيا باتت تترنح الآن بشكل غير مسبوق، حيث أجبرت الضربات الأوكرانية العميقة لشركات التكنولوجيا الدقيقة القيادة الروسية على تقليص استعراضاتها العسكرية حتى في عيد النصر
طفرة تقنية
وتدعيما لرؤيته بشأن مستقبل الحروب المبني على تدمير شرايين الطاقة، استعرض هوكينز بيانات وثقها معهد دراسة الحرب في واشنطن، تثبت أن القوات الأوكرانية نجحت في ضرب 20 مصفاة نفط ومرفأ تصدير روسي، ووصلت بعض هذه الضربات بطائرات مسيرة محلية الصنع إلى مسافة 1750 كيلومترا في عمق الأراضي الروسية.
ووصف الكاتب هذا التطور بأنه طفرة تكنولوجية تعادل ضعفين ونصف النطاق القتالي الذي كان ممكنا قبل 4 سنوات فقط.
ونقل الكاتب عن شبكة الجزيرة الإعلامية أن هذه الضربات الدقيقة نجحت في منع روسيا من جني أرباح طائلة كانت تعول عليها من الصادرات النفطية، حيث هبط إنتاج مصافي النفط الروسية إلى 4 ملايين و690 ألف برميل يوميا، وهو أدنى مستوى قياسي تسجله البلاد منذ ديسمبر/كانون الأول 2009، وفقا لبيانات وكالة بلومبيرغ الاقتصادية، مما يعكس شللا اقتصاديا خانقا يؤثر بشكل مباشر على تمويل العمليات العسكرية.
وفي إطار رصد التحولات الجيوعسكرية المعقدة، استشهد مقال فورين بوليسي بتصريح لجورج باروس، المحلل البارز في معهد دراسة الحرب، سلط فيه الضوء على تآكل فرضية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القائمة على فكرة القدرة على الصمود واستنزاف الغرب مهما بلغت التكاليف.
وزعم باروس أن روسيا باتت تترنح الآن بشكل غير مسبوق، لأن الضربات الأوكرانية العميقة لشركات التكنولوجيا الدقيقة -مثل “آنغستريم” ومراكز صواريخ كروز في مدينة “دوبنا”- أجبرت القيادة الروسية على تقليص استعراضاتها العسكرية حتى في عيد النصر.
وتدعيما لهذا الطرح، استشهد هوكينز بما ورد في تقرير نشرته صحيفة موسكو تايمز المستقلة من أن المسؤولين في الكرملين بدؤوا يعيدون النظر في أهداف الحرب وتصوير أي تسوية مستقبلية على أنها انتصار، وسط تزايد علني لمخاوف السياسيين الروس من أن مواصلة الحرب تتطلب عسكرة كاملة للاقتصاد والتعبئة العامة التي قد تؤدي إلى انهيار ديموغرافي واقتصادي شامل لبلادهم.
ولم يقتصر مقال هوكينز على الجانب العسكري، بل امتد إلى أبعاد سيكولوجية وسياسية داخلية؛ حيث ينسب إلى المؤرخ أولف برونباور من جامعة ريغنسبورغ الألمانية قوله إن الهدف الإستراتيجي لأوكرانيا من هذه العمليات النوعية هو إثبات قدرتها البالغة على إيذاء روسيا أمام حلفائها الغربيين لضمان تدفق الدعم المستمر، مما يضع كييف في موقف تفاوضي أقوى يجبر موسكو على تقديم تنازلات حقيقية.
ويلفت برونباور الانتباه إلى أن استطلاعات الرأي الروسية الصادرة عن مؤسسة الرأي العام، رغم إظهارها تأييدا لبوتين، سجلت أدنى مستوياتها منذ بداية الغزو، مما يعكس قلقا متزايدا في الشارع الروسي من تبعات ضربات التحييد الإستراتيجي وتأثيراتها المباشرة على البنية التحتية والاقتصاد اليومي للمواطنين.
المصدر: الجزيرة





