عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي يعود ملف المشاركة السياسية للمغاربة المقيمين بالخارج إلى واجهة النقاش العمومي ليس باعتباره مطلباً فئوياً عابراً بل كأحد المؤشرات الحاسمة على مدى نضج التجربة الديمقراطية المغربية. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بحق التصويت أو الترشح بل باتت تعكس سؤالاً أعمق: إلى أي حد استطاع المغرب أن يترجم تحوله الدستوري إلى ممارسة سياسية شاملة تستوعب مواطنيه أينما وجدوا؟
لقد شكّل دستور 2011 نقطة تحول نوعية في هذا المسار حين أقر صراحة بحقوق سياسية لفائدة مغاربة العالم واضعاً حداً على المستوى النظري لفكرة المواطنة المنقوصة. غير أن مرور أكثر من عقد على هذا التحول يكشف أن المسافة بين الاعتراف الدستوري والتنزيل العملي ما تزال قائمة وإن بدرجات متفاوتة. هذه المسافة لا يمكن اختزالها في عامل واحد بل هي نتاج تداخل اعتبارات قانونية وتقنية وسياسية.
وفي مقابل هذا التردد الحزبي يبرز الخطاب الملكي كرافعة استراتيجية تهدف إلى إعادة الاعتبار لمغاربة العالم كشركاء حقيقيين في صنع القرار. لقد دعا جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تمكين الجالية من التمثيلية والمشاركة مشدداً على أن مغاربة الخارج ليسوا مجرد مصدر للتحويلات بل هم سفراء وقوة اقتراحية ودعامة للاستقرار والتنمية. إن هذا التوجه الملكي ينسجم مع التحولات الجيوسياسية الراهنة ويجعل من الاستمرار في إقصاء هذه الفئة ليس تناقضاً مع الدستور فحسب بل إجهاضاً لرؤية ملكية بعيدة المدى تسعى لإدماج كافة المواطنين في النموذج التنموي الجديد.
من الناحية العملية يطرح تنظيم مشاركة انتخابية خارج الحدود تحديات حقيقية تتعلق بتعدد مجالات الإقامة واختلاف الأنظمة القانونية وصعوبة تأمين عملية اقتراع تستجيب لمعايير النزاهة والشفافية. كما أن الحسم في نموذج التمثيلية لم يُستكمل بعد: هل الأنسب إحداث دوائر انتخابية بالخارج؟ أم اعتماد صيغ تمثيلية بديلة تضمن الحضور دون الإخلال بتوازنات المنظومة الانتخابية؟
في مقابل هذه التحديات برزت في أكثر من مناسبة دعوات رسمية إلى تعزيز إشراك مغاربة العالم في الحياة الوطنية إدراكاً لما تمثله هذه الفئة من رصيد بشري واستراتيجي. فالجالية المغربية لم تعد مجرد امتداد اجتماعي أو اقتصادي بل أضحت فاعلاً مؤثراً في محيطها الدولي وقادرة على الإسهام في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة في سياق دولي يتزايد فيه دور الفاعلين غير الرسميين.
وهنا تبرز المفارقة السيادية الصارخة فكيف لمنظومة تطمح لنضج ديمقراطي أن تعتمد على مغاربة العالم كعمود فقري للاقتصاد بتحويلات ناهزت 115 مليار درهم، بينما تتردد في منحهم صوتاً تقريرياً؟ إن الاستمرار في هذا الوضع يكرس مفهوم الوطنية المالية على حساب المواطنة السياسية وهو منطق نفعي يتنافى مع فلسفة الدستور التي نقلت الجالية من خانة الارتباط الوجداني إلى مربع المواطنة السيادية الكاملة.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الثقل الاقتصادي لمغاربة العالم حيث تشكل تحويلاتهم مورداً أساسياً للعملة الصعبة ودعامة للاستقرار المالي. غير أن هذا المعطى، على أهميته، ينبغي ألا يُختزل في منطق المقابل بل أن يُفهم ضمن رؤية أشمل للمواطنة تقوم على التكامل بين الحقوق السياسية والانخراط المدني.
في المقابل يظل الأداء الحزبي دون مستوى هذا الرهان. فالأحزاب السياسية رغم إدراكها النظري لأهمية الجالية لم تنجح بعد في بلورة استراتيجيات فعالة لتأطيرها أو إدماجها في دينامياتها التنظيمية. ويبدو أن هناك تخوفاً خفياً من دخول كتلة ناخبة واعية تعيش في بيئات ديمقراطية متطورة ولا تخضع لمنطق الزبونية التقليدي مما قد يقلب موازين القوى الحزبية في الرباط. ويعكس هذا القصور في جانب منه صعوبة الاشتغال في فضاء عابر للحدود لكنه يكشف أيضاً عن حاجة ملحة لتجديد أدوات العمل السياسي وتوسيع قاعدته الاجتماعية.
إن تجاوز هذا الوضع يقتضي الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق المبادرة عبر فتح نقاش وطني صريح حول الصيغ الممكنة لتفعيل المشاركة السياسية لمغاربة العالم. من بين هذه الصيغ يبرز خيار إحداث دوائر انتخابية بالخارج، أو اعتماد آليات تصويت بديلة كالتصويت البريدي أو الإلكتروني شريطة توفير الضمانات التقنية والقانونية الكفيلة بحماية مصداقية العملية الانتخابية. غير أن نجاح أي إصلاح في هذا الاتجاه لا يتوقف فقط على إرادة المؤسسات بل يرتبط أيضاً بمدى استعداد مغاربة العالم للانخراط الفعلي في الحياة السياسية سواء عبر العمل الحزبي أو المبادرات المدنية. فالمواطنة الكاملة لا تُستكمل بالمطالبة وحدها، بل تُبنى أيضاً بالمشاركة والتنظيم والتأثير من الداخل.
في المحصلة لا يمكن النظر إلى المشاركة السياسية لمغاربة العالم كملف تقني قابل للتأجيل بل كاختبار حقيقي لقدرة النموذج الديمقراطي المغربي على التطور والتكيف. فالتحدي اليوم لم يعد في تثبيت المبدأ، بل في ابتكار الآليات التي تجعل منه واقعاً ملموساً. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تنجح المرحلة المقبلة في تقليص الفجوة بين النص والممارسة، أم أن هذا الورش سيظل مؤجلاً في انتظار توافق لم يكتمل بعد؟





