لم تُغلق إيران مضيق هرمز، لكنها أعلنت ما يشبه قواعد عبور جديدة في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.
فقد حددت “هيئة إدارة الممر المائي في الخليج” نطاقا رقابيا يمتد من كوه مبارك جنوب إيران إلى جنوب الفجيرة شرقا، ومن نهاية جزيرة قشم إلى أم القيوين غربا، ثم أكدت أن المرور داخل هذا النطاق لعبور المضيق يتطلب التنسيق معها والحصول على تصريح منها.
وبذلك، انتقلت طهران -وفق خبراء إيرانيين- من التلويح بإغلاق هرمز إلى محاولة فرض “سيادة وظيفية” على حركة الملاحة فيه.
ويكتسب الإعلان أهميته من موقع المضيق في سوق الطاقة العالمية، إذ تقول وكالة الطاقة الدولية إن نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات مرّت يوميا عبر هرمز عام 2025، وهو ما يعادل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، مشيرة إلى أن خيارات الالتفاف على المضيق محدودة.
من الإغلاق إلى الإدارة
يرى خبراء أن الخطوة الإيرانية لا تعني بالضرورة إغلاق المضيق، بل محاولة تثبيت قواعد عبور جديدة، تجعل طهران طرفا لا يمكن تجاوزه في أي حركة ملاحية مرتبطة بهرمز.
ويقول رئيس تحرير صحيفة “الوفاق” الحكومية في طهران مختار حداد -للجزيرة نت- إن إيران تسعى إلى إعلان المنطقة التي تقع ضمن رقابة وإدارة مضيق هرمز، وتحديد المسارات التي يمكن للسفن أن تمر عبرها بأمان.
ووفق هذا الطرح، فإن مركز إدارة شؤون المضيق لا يهدف إلى تعطيل الملاحة، بل إلى تنظيمها عبر تنسيق مسبق يضمن “العبور الآمن” للسفن، وفق رأيه.
ويضيف أن طهران ترى أن الخطر الفعلي على الملاحة لا يأتي من الإجراءات الإيرانية، بل من الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وما تعتبره إيران تداعيات للحرب والعدوان عليها.
وبحسب هذه القراءة، فإن تحديد المسارات الرقابية يراد منه إبعاد السفن التجارية عن مناطق الاحتكاك والخطر، لا فرض إغلاق شامل على الممر.
سيادة وظيفية
في قراءة أخرى، يرى الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار أن المعادلات الجيوسياسية والأمنية في الخليج تغيّرت، وأن إيران تحاول تحويل موقعها الجغرافي في مضيق هرمز إلى أداة إستراتيجية دائمة.
ويقول -في حديثه للجزيرة نت- إن طهران -عبر تعريف نطاق رقابي وإلزام السفن بالتنسيق قبل العبور- تسعى إلى تثبيت ما يمكن تسميته “السيادة الوظيفية” على المضيق، أي ممارسة نفوذ عملي على حركة المرور من دون الذهاب إلى إعلان سيادة قانونية كاملة أو إغلاق عسكري مباشر.
وبحسبه، فإن الهدف لا يقتصر على تنظيم الملاحة، بل يشمل رفع كلفة أي مواجهة محتملة مع إيران، لأن أي تصعيد لن يبقى محصورا في المجال العسكري، بل سينعكس مباشرة على سوق الطاقة وحركة السفن والتأمين البحري.
الفجيرة في قلب الحسابات
النقطة الأبرز في الإعلان الإيراني -وفق دهقاندار- هي امتداد الحد الشرقي للنطاق الرقابي حتى جنوب الفجيرة. فالإمارات عملت -خلال السنوات الماضية- على تعزيز أهمية ميناء الفجيرة بوصفه منفذا خارج مضيق هرمز، يسمح لها بتقليل اعتمادها على الممر الأكثر حساسية في المنطقة، حسب قوله.
لكن القراءة الإيرانية الجديدة تجعل المياه القريبة من الفجيرة داخلة ضمن نطاق الرقابة المعلن، وهو ما يعني -وفق الباحث- أن طهران تحاول تحييد الميزة الإستراتيجية التي بنتها أبو ظبي حول الفجيرة.
ويقول إن الإمارات أرادت عبر خط الأنابيب الواصل إلى الفجيرة الالتفاف على هرمز، غير أن إيران -من خلال هذا الترسيم- تجعل المسار البديل نفسه مشمولا برقابتها.
كما يضيف أن الفجيرة لا تستطيع -لأسباب فنية- أن تكون بديلا كاملا عن المضيق، إذ إن قدرة خطها النفطي تبقى محدودة مقارنة بحجم النفط الذي يمر يوميا عبر هرمز.
وتشير تقديرات منشورة إلى أن خط أبو ظبي-الفجيرة ينقل نحو 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميا، في حين أعلنت الإمارات مؤخرا تسريع مشروع خط جديد لمضاعفة الطاقة التصديرية عبر الفجيرة بحلول عام 2027.
احتكاك بيروقراطي
أما عضو الهيئة العلمية في جامعة العلامة الطباطبائي والباحث في الشؤون الإقليمية مرتضى شكري فيرى أن المسألة تتجاوز المواجهة الثنائية بين إيران والإمارات.
ويقول شكري -للجزيرة نت- إن طهران انتقلت من “سياسة الردع العسكري” إلى “خلق احتكاك بيروقراطي”، بحيث ترفع المخاطر التشغيلية لميناء الفجيرة، وتجعل استخدام هذا الممر أكثر كلفة بالنسبة إلى الشركات الدولية.
وبحسب شكري، فإن الإمارات لم تعد قادرة على تقديم الفجيرة لسوق الطاقة باعتبارها ممرا آمنا تماما وبعيدا عن التوتر، مضيفا أن إيران تمكنت من تغيير ميزان القوة في بحر عُمان عبر ما يسميه “تكلفة الممرات البديلة”.
ويرى أن هذا التحول يعيد تعريف الأمن الاقتصادي في المنطقة من مسألة فنية مرتبطة بالموانئ وخطوط الأنابيب إلى معضلة سياسية معقدة تضع الإمارات أمام خيارين صعبين، إما القبول بدرجة من الرقابة الإيرانية، أو تحمل مخاطر استمرار حالة عدم اليقين الأمني.
التعويضات ومسار العقود التشاركية
وفي سياق متصل بترتيبات ما بعد الحرب، يتوقف شكري عند ما يصفه بالمقترح غير الرسمي القطري لدفع تعويضات الحرب لإيران عبر “العقود التشاركية”.
ويقول إنه رغم عدم صدور موقف رسمي بشأن هذا المقترح، فإن نموذج العقود التشاركية قد يشكل “آلية ذكية” لتجاوز تعقيدات الدفع المباشر، خصوصا أن تحويل تعويضات نقدية من واشنطن إلى طهران يواجه عقبات سياسية ومصرفية.
ويرى شكري أن الاستثمار في إعادة بناء البنى التحتية للطاقة الإيرانية، بمشاركة رؤوس أموال وتكنولوجيا من شركاء إقليميين، قد يكون أكثر فائدة لطهران من تعويض نقدي مباشر، لأنه يحول الخسائر إلى مشاريع طويلة الأمد ترفع القدرة الإنتاجية وتزيد الإيرادات المستقبلية.
كما يعتبر أن مثل هذا النموذج يخدم دولا مثل قطر، لأنه يخلق تشابكا في المصالح داخل حقول وممرات الطاقة، ويحول التوترات المؤقتة إلى استثمارات بنيوية تساهم في حماية أمن المنشآت الحيوية وممرات العبور في المنطقة.
ورقة تفاوضية جديدة
ويبدو الإعلان الإيراني جزءا من محاولة أوسع لإعادة صياغة قواعد الأمن في مضيق هرمز والخليج العربي بعد الحرب، حيث لا تكتفي طهران بالقول إنها قادرة على تهديد هرمز، بل تسعى إلى فرض نفسها جهة ناظمة لحركة العبور فيه.
ويخلص الخبراء إلى أن إيران تريد تحويل المضيق من ورقة تهديد ظرفية إلى ورقة تفاوضية دائمة، تشمل أمن الطاقة، ومسارات التجارة، والتعويضات، والعلاقة مع دول الخليج.
أما الاختبار الحقيقي فهو متعلق بمدى قبول شركات الشحن والدول الإقليمية والدول الكبرى بهذه القواعد الجديدة، أو سعيها إلى كسرها سياسيا وعسكريا.
المصدر: الجزيرة






