العيدية.. من منح السلاطين إلى جيوب الأطفال

إيطاليا تلغراف متابعة

ارتبطت العيدية عبر القرون بأجواء العيد وطقوسه الاحتفالية، حتى غدت اليوم من أكثر المظاهر التي ينتظرها الأطفال بشغف، إذ يتلقون من آبائهم وأقربائهم مبالغ مالية صغيرة بدلا من الهدايا العينية.

ولا تعود هذه العادة في أصلها إلى الأطفال، بل نشأت بوصفها منحة مالية كانت تقدمها الدولة أو الأوقاف في عيدي الفطر والأضحى، بقصد التوسعة على أصحاب الوظائف والعاملين. ومن هنا أطلق الناس عليها اسم “العيدية”، قبل أن تتطور مع الزمن إلى صورتها المعروفة اليوم.

ورغم اختلاف أشكالها وتبدل وسائل تقديمها عبر القرون، بقيت العيدية محافظة على معناها الأساسي بوصفها رمزا للبهجة والمودة، وعنصرا أصيلا من طقوس العيد التي تضفي على المناسبة طابعها الاحتفالي الخاص.

الجذور التاريخية

يصعب تحديد أصل العيدية على وجه الدقة، إذ لا تتفق المصادر التاريخية على رواية واحدة بشأن بداياتها الأولى. إلا أن أقدم الإشارات الواضحة إليها ترد في مؤلفات مؤرخي العصر الفاطمي، وفي مقدمتهم المؤرخ تقي الدين المقريزي، مما جعل كثيرا من الباحثين يربطون نشأة هذه العادة أو على الأقل شيوعها بالعهد الفاطمي في مصر.

وتختلف الروايات حول الشخصية التي أرست هذا التقليد؛ فبعض المصادر تنسبه إلى الخليفة الحاكم بأمر الله الذي خصص رسوما للعيدية في عيد الأضحى، بينما تذهب روايات أخرى إلى أن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي كان أول من أقرها وجعلها جزءا من احتفالات الدولة بالأعياد، فكان يأمر بإقامة الموائد وتوزيع الحلوى والهدايا والكسوة والنقود على رجال الدولة وعامة الرعية. كما كان يمنح الفقهاء والقراء والمؤذنين دراهم فضية عقب ختم القرآن ليلة العيد، لتظهر بذلك العيدية بوصفها هبة مستقلة مرتبطة بالمناسبة نفسها.

وتشير السجلات الإدارية القديمة إلى أن هذه المنح كانت ترد في دواوين الدولة تحت اسم “الرسوم”، في حين عُرِفت في وثائق الأوقاف الإسلامية باسم “التوسعة”، في دلالة على الغاية منها المتمثلة في إدخال السرور وتخفيف الأعباء المعيشية في أيام العيد.

وبحسب المصادر التاريخية، كان الناس يتوافدون صباح العيد إلى قصر الخليفة في القاهرة لتقديم التهاني، فيطل الخليفة عليهم من أعلى الشرفات فوق أبواب القصر وينثر الدنانير الذهبية والدراهم الفضية على المحتشدين في الأسفل، في مشهد احتفالي انتظره الناس عاما بعد عام.

ومن أغرب صور العيدية التي ترويها المصادر التاريخية ما كان يقدم للضيوف على هيئة مفاجآت خفية؛ إذ كانت بعض قطع الكعك تُحشى بدنانير ذهبية بدلا من السكر، أو تُزيَّن أنواع من الحلوى بقطع من الذهب على هيئة حبات فستق، في محاولة لإضفاء مزيد من البهجة والدهشة على أجواء العيد.

من قصر الخليفة إلى بلاط السلاطين

ومع سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية، تراجعت كثير من المظاهر الاحتفالية المرتبطة بالأعياد، ولا سيما في ظل الانشغال بالحروب الصليبية وتراجع رعاية الدولة لهذه الطقوس. كما توقفت الحكومات المتعاقبة عن صرف العيدية لأرباب الوظائف المدنية، واقتصر توزيعها على الجنود.

ومع استقرار حكم المماليك في مصر والشام، استعادت الاحتفالات الرسمية بالأعياد ازدهارها، وعادت الدولة إلى توسيع نطاق العطايا والهبات المرتبطة بالمناسبة.

وتفاوتت قيمة العطايا بحسب مكانة أصحابها؛ فالأمراء وكبار القضاة وقادة الجيش كانوا يحصلون على أطباق مملوءة بالدنانير الذهبية ترافقها أصناف من الحلوى والفاكهة، بينما ينال أصحاب المراتب الأدنى أطباقا تضم عملات فضية ومخصصات أقل قيمة.

ويشير الباحث عبد الرحيم ريحان إلى أن بعض الروايات تربط بين العيدية والجامكية في العصر المملوكي، وتذهب إلى أن التسمية تطورت مع الزمن حتى استقر استعمال لفظ “العيدية” بصورته المتداولة اليوم، إلا أن الجامكية كانت في أصلها مرتبا أو مخصصا ماليا يُصرَف للجند وموظفي الدولة، وليست اسما حصريا للعطايا الموسمية الخاصة بالعيد.

من عطية الدولة إلى عادة اجتماعية

شهدت العيدية تحولا جديدا في العصر العثماني، إذ انتقلت تدريجيا من إطارها الرسمي المرتبط بالدولة إلى فضاء المجتمع والعلاقات اليومية بين الناس. فبعد أن كانت تُوزَّع بأوامر الخلفاء والسلاطين على الموظفين والجند وأصحاب المناصب، أصبحت عادة اجتماعية يتبادلها الأفراد تعبيرا عن الفرح بالعيد وتعزيزا لمعاني التكافل والتراحم.

ويذكر المؤرخ منصور عبد الحكيم في كتابه عن السلطان سليمان القانوني أن السلطان أولى اهتماما برفاهية الرعية، وأسهم في ترسيخ تقليد العيدية وتوسيع نطاقه، فلم تعد مقتصرة على رجال الدولة، بل شملت الأطفال والفقراء أيضا، لتتحول الأعياد إلى مناسبة عامة تتدفق فيها العطايا وتساعد محدودي الدخل على تحمل نفقات الاحتفال.

وفي العهد العثماني لم تعد العيدية مرتبطة بالمبالغ المالية وحدها، بل اتخذت صورا متعددة شملت الطعام والملابس وسائر الهدايا التي يتبادلها الناس فيما بينهم.

ومع مرور الزمن واصل مفهوم العيدية تطوره؛ فتحولت من الدنانير الذهبية والدراهم الفضية إلى الأوراق النقدية، واتسعت دائرة مستحقيها لتشمل الكبار إلى جانب الأطفال.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...