كيف يعيش إنسان “محبوس” داخل جسده؟.. 3 قصص ملهمة ستغير نظرتك للحياة

إيطاليا تلغراف متابعة

هناك لحظة واحدة في يوم داون فايزي ويبستر تشعر فيها بأنها إنسانة عادية: بعد العشاء، حين تُبدّل ملابسها إلى البيجامة، وتستلقي في سريرها تتابع مسلسلا على منصة بث “مثل أي شخص آخر”.

ثم تقطع الشاشة اللحظة بسؤال آلي: “هل ما زلت تشاهدين؟”. بالنسبة لمعظمنا هي ضغطة زر، لكن بالنسبة لداون، تذكير قاسٍ بكل ما لا تستطيع فعله.

هي لا تستطيع تحريك أصابعها أو قدميها أو ذراعيها، ولا تستطيع البلع ولا الكلام. منذ أكثر من عشرين عاما، أصبحت رمشة عينها اليسرى وسيلتها الوحيدة لتقول إنها هنا، وإنها ما زالت تشاهد، وما زالت حية.

ما متلازمة الانحباس؟

متلازمة الانحباس (Locked-in Syndrome) حالة عصبية نادرة، غالبا ما تنتج عن سكتة دماغية في جذع الدماغ أو إصابة شديدة، يحتفظ فيها المريض بوعيه الكامل وقدرته على التفكير والذاكرة، لكنه يفقد تقريبا كل حركة إرادية، بما فيها الكلام والبلع.

تبقى العينان في الغالب “النافذة الوحيدة”، فيتواصل المريض عبر الرمش أو تتبع النظر، ومع التكنولوجيا ظهرت أنظمة تربط حركة العين بالحروف والكلمات.

عالمة الأعصاب الأسترالية شنان كين، التي أسست “المؤتمر الدولي لمتلازمة الانحباس” وأشرفت على كتاب “إعطاء صوت لمن يعيشون مع متلازمة الانحباس”، تصف هؤلاء بأنهم “أصوات محبوسة”. من شهاداتهم، ثلاث قصص بريطانية تلخص وجها من هذه الحياة الصامتة.

داون.. دكتوراه تُكتب برمشات عين

في صيف 2003 وضعت داون طفلها ألكسندر في الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل بعد عملية قيصرية طارئة. بين حضانة المولود والعلاج، بدأت تشعر بدوار وألم في الرقبة شُخصا على أنه “نقص حديد” بعد الولادة.

في يوم واحد، تراكمت الأخطاء من انتظار في الطوارئ إلى فحوصات مؤجلة وغياب أطباء متخصصين، انتهى ذلك بسكتة دماغية في جذع الدماغ شلت جسدها. تتذكر أنها قالت لممرضة “لا أشعر بخير”، ثم “أصبح كل شيء أسود”. حين استعادت وعيها كانت تسمع وتفهم، لكن لا تستطيع الكلام ولا الحركة.

لفترة، تعامل معها الأطباء كأنها في غيبوبة. كانوا يطلبون منها أن تشد أيديهم، وهي تردد داخليا: “أحب أن أفعل، لكن هذا لن يحدث”. نقطة التحول جاءت من عائلتها، فقد لاحظ شقيقها مارك أنها تتبع الكلمات بعينيها، فابتكر طريقة: يقرأ حروف الأبجدية، وترمش هي عند الحرف المطلوب. كانت الكلمة الأولى بسيطة، لكنها بالنسبة للعائلة إعلان أن داون “ما زالت هنا”.

مع الوقت، طُور نظام أسرع، ثم حصلت على جهاز يربط حركة عينها بحروف على شاشة، ومن هناك إلى البريد الإلكتروني. بهذه الوسيلة تابعت دراستها: شهادة في التاريخ القديم، ماجستير في تاريخ الفن، ثم دكتوراه في تاريخ العمارة بجامعة يورك، حرفا حرفا، ورمشة رمشة.

داون غاضبة من أخطاء التشخيص ومن نظام الرعاية الذي تعتمد عليه. بعد سنوات من إعادة تأهيل متقطع عادت إلى بيت أهلها، ثم فقدت أمها عام 2020 فدخلت في اكتئاب، شعرت خلاله أن حياتها “سُرقت”. تحسنت حالتها حين حصلت على “ميزانية صحية شخصية” تسمح لها باختيار فريق الرعاية، قبل أن تُسحب لاحقا تحت ذرائع تقشفية.

مع ذلك، ترفض أن تترك الغضب يلخص حياتها. تلخص موقفها بجملة كتبتها في شهادتها: “تستمر، لحظة بعد لحظة، لأنك رغم كل ما أُلقي عليك… ما زلت حيا”.

برام.. ثانية واحدة بدلت كل ما بعدها

كان برام هاريسون في العشرين، يعمل في تركيب البيوت الزجاجية ويقضي لياليه بين الحانات والحفلات، حين خرج في جولة بدراجته دون خوذة. في ثانية واحدة، سقط وتعرض لإصابة دماغية شديدة، يصفها اليوم بأنها “حدث استغرق لحظة، وسرق من كل ثانية بعدها شيئا”.

الأيام الأولى بالنسبة إليه “لوحة مشوشة”: صديق يمسك بيده، مسمار معدني في جمجمته، ووالده بجانبه يرفض الاستسلام. مثل كثير من المصابين بمتلازمة الانحباس، لم يدرك الأطباء طويلا أنه واع تماما.

يقول إنه في البداية لم يفهم حتى أنه مشلول، كان يظن أنه يتحدث وأن الآخرين يسمعونه، بينما الأسئلة تبقى بلا جواب. غرفة المستشفى بدت له “كابوسا يعود إليه مرارا”.

اللحظة الفاصلة جاءت حين سمع والده يقول للأطباء: “طالما أن هناك علامة حياة واحدة، فهناك أمل”. قرر أن يحاول إرسال تلك العلامة، اتفق معه طبيب على اختبار: سيذكر أسماء شوارع مختلفة، وحين يذكر شارع بيت برام، عليه أن يفتح عينيه. عندما نطق الطبيب الاسم فتح برام عينيه، فصرخ والده: “كنت أعرف ذلك”.

منذ ذلك اليوم، صار يُعامل باعتباره حاضرا في جسده، بدأ -مثل داون- بالتهجئة عبر رمش العين، ثم صنع له والده حاسوبا ببرامج تتبع العين. يكتب برام أن القدرة على خوض حوار بكلمات من اختياره كانت “واحدة من أفضل لحظات حياته مع متلازمة الانحباس”.

في 2012 قدم 16 برنامجا إذاعيا عبر الإنترنت باسم “دي جي آي تك”، مستخدما صوتا حاسوبيا، في محاولة لإثبات أن عقله لم يُشل حتى لو تجمد جسده.

اليوم يتحدث بصراحة عن نظرة المجتمع لذوي الإعاقة، وعن مخاوفه من أن يُتخذ قرار “موت رحيم” بحق من لم يُمنح وقتا كافيا للتعبير أو التكيف. يقول إنه الآن -ومع من يفهمون لغته- سيكون جوابه “الحياة بنسبة مئة بالمئة”، لكنه يعترف بأن السنوات الأولى لم تكن تسمح له حتى بالتفكير في قرار بهذا الحجم.

بيكس.. امرأة اجتماعية في جسد صامت

بيكس كيمب كانت في الثانية والثلاثين، تعمل في مجال التواصل وتعزف الكمان وتركب الخيل وتعود من رحلة عمل في الولايات المتحدة، حين انهارت حياتها في يوم واحد.

كانت تستعد لغداء عائلي في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حين شعرت بأن عينيها “علقتا” في اتجاه واحد، وداهمها دوار شديد ورعشة. نُقلت إلى المستشفى بالسيارة لعدم توافر إسعاف، وهناك اعتُبرت “أصغر من أن تصاب بسكتة دماغية في جذع الدماغ”، فتأخر العلاج المذيب للجلطات حتى فات أوانه.

استيقظت بيكس في وضع مألوف في هذا التقرير: وعي كامل داخل جسد لا يتحرك. العائلة كانت مرة أخرى أول من التقط إشارات وعيها، ابتكر والدها لوحة أحرف يمرر إصبعه عليها، وتحدد هي الحرف بنظرة العين. الجملة الأولى التي هجّأتها له كانت: “أنت أحمق”، مزحة تشير إلى علاقة أقرب إلى الصداقة منها إلى علاقة أب بابنته.

تعيش اليوم في دار رعاية على أطراف شلتنهام، غرفتها مليئة بالصور والنباتات والملصقات، وبينها لافتة تقول: “لا أستطيع الكلام، لكن أستخدم عيني في التواصل: أنظر لأعلى لـ(لا) ولأسفل لـ(نعم)”.

تعتمد على حاسوب يعمل بتتبع العين، لكنه بطيء ومرهق، لذلك تبقى لوحة الأحرف جزءا من يومها. تقول إنها “ثرثارة”، لكنها تتعب لأن كل حرف يحتاج إلى أكثر من حركة بالعين.

مشكلتها الكبرى ليست المرض وحده، بل المنظومة المحيطة به. والدها يقول إن بعض العاملين “ملائكة” تعلموا لوح الأحرف، بينما يخشى آخرون استخدامه أو يرفضون التعلم. بطلب منها، عُلقت على باب غرفتها لافتة تقول: “إذا لم تكن تستطيع التهجئة، لا تجب الجرس”. بالنسبة لها، هذه الجملة دفاع بسيط عن حقها في أن تُعامَل بوصفها إنسانة لها رأي وصوت.

حين سُئلت كيف يمكن تخيل شعورها، اقترحت تجربة: “اجلس على كرسي ثلاث ساعات، فمك ملصوق بشريط، ولا يُسمح لك بتحريك جسدك مهما كان الألم. هذا مجرد جزء صغير مما نعيشه”.

ماذا يبقى من الإنسان حين يصبح الصمت لغته؟

التقنيات المساعدة مثل برامج تتبع العين ولوحات الأحرف والواجهات الدماغية الحاسوبية فتحت نافذة صغيرة لهؤلاء، لكنها ليست متاحة للجميع بالتساوي، فتكاليف الأجهزة واختلاف أنظمة الرعاية ونقص تدريب الطواقم، تجعل هذه النافذة امتيازا لا حقا عاما.

ومع ذلك، حين تُفتح، تكفي جملة واحدة لتغيير حياة كاملة: أن تقول داون “ساقاي تؤلمانني”، أو يختار برام الحياة، أو تستعيد بيكس روحها الساخرة في جملة لأبيها.

هذه القصص لا تقدم إجابات سهلة، لكنها تفرض سؤالا واضحا: كيف نتعامل نحن، القادرين على الكلام والحركة، مع إنسان لا يستطيع أن يقول “أنا هنا”، رغم أنه حاضر بكامل وعيه؟

ربما أهم ما تذكّرنا به متلازمة الانحباس أن الصمت ليس غيابا، وأن رمشة عين واحدة قد تحمل أكثر مما تقوله خطبة كاملة عن الخوف والأمل والكرامة والإصرار على أن تُسمَع حياة لا تزال تنبض داخل جسد صامت.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...