حكاية وردة… الطفلة التي صارت أسطورة

 

 

 

 

 

إبراهيم عبد المجيد
 كاتب مصري

 

 

أغراني هذا الكتاب الصادر منذ أسابيع، فهو عن وردة الجزائرية، التي عرفت صوتها مبكرا، وأنا تلميذ في المدرسة الإعدادية عام 1960 حين كانت إذاعة المدرسة، تذيع مع طابور الصباح أغنيتها» أنا من الجزائر.. أنا عربية». أيمن الحكيم، كاتب له أعمال جميلة، مثل» اسمي بولا» عن نادية لطفي و»مزامير القرآن: العظماء السبعة لدولة التلاوة» وغيرها، فضلا عن عمله الصحافي ومواقعه الصحافية. الكتاب عنوانه» حكاية وردة.. سيرة صوت وقلب» صادر عن دار الحكيم، ويقع في حوالي 320 صفحة.
يبدأ الكتاب عن كيف كان الغناء قدرها الجميل، وكيف يحاول الكتاب إعادة سيرتها كحرة مستقلة متمردة، منذ ميلادها عام 1939. ولدت وردة في باريس وسبقها ثلاثة ذكور وأخت واحدة. كان والدها يملك مطعما اسمه» طمطم». سمح لها أبوها محمد فتوح، الجزائري الأصل وهي طفلة، أن تغني لرواد المطعم. ذكريات طريفة مع المطعم، ومع السينما القريبة التي كانت تعرض أفلاما عربية، ومنها فيلم «الوسادة الخالية». كيف شاهدت وردة الفيلم وأبهرتها أغنية «تخونوه» التي لحنها بليغ حمدي عام 1957 فقررت أن تعرفه يوما وتتزوجه. كانت كثيرة التزويغ من المدرسة لتشاهد الأفلام العربية، وعاقبها والدها ولم تتوقف.

في المطعم قابلت أحمد التيجاني المغربي الأصل، الذي يعمل في القسم العربي في الإذاعة الفرنسية. سمعها التيجاني ومنحها فرصة الغناء في «ميكروفون الإذاعة»، وسجل لها اسطوانة بأغنية عاطفية، وبذل جهدا كبيرا في تعليمها العربية. حين بدأت شرارة الثورة الجزائرية عام 1954 كان الأب مواليا للثورة، فتحول مطعمه إلى غرفة عمليات سرية للمقاومة، ومخزنا للسلاح يشترونه ويهربونه إلى الثوار. غامر الأب باستخدام وردة، التلميذة الصغيرة التي لن يشك البوليس فيها، فصار يرسل معها في حقيبتها المنشورات السرية، تعطيها لأحد رجال الخلايا السرية، وفي كل مرة تعود سالمة يكافئها الأب بقبلة حانية. تم اكتشاف ما يفعله الأب، فتم ترحيله عن فرنسا، بعد تعذيبه، وتم إغلاق مطعمه ومصادرة أمواله، وذهب إلى لبنان بأبنائه، فلبنان أصل الأم التي كانت قد توفيت بسبب المرض.

في بيروت تعاقدت على الغناء في ملهي «طانيوس» وفيه عرفها فيلمون وهبي الملحن اللبناني، فآمن بها وبموهبتها ولحن لها أغنية أيقونية عن جميلة بوحريد. كانت الأغاني الوطنية التي تغنيها في ملهى طانيوس، سببا في دعوتها إلى حفل أضواء المدينة، الذي نظمته الإذاعة المصرية في دمشق، بعد الوحدة بين سوريا ومصر، ثم انضمامها في ما بعد إلى من غنوا انشودة «وطني حبيبي الوطن الأكبر» وجاء ذلك بتوصية من عبد الناصر نفسه، الذي كان قد استمع لأغانيها عن الثورة الجزائرية، في حفل أضواء المدينة في سوريا. في ملهى طانيوس سمعها محمد عبد الوهاب، فرشحها لصديقه المخرج والمنتج حلمي رفلة في فيلم «ألمظ وعبده الحامولي». ذهب حلمي رفلة إلى بيروت واستمع لوردة، وصارت بطلة الفيلم. حديث رائع عن حلمي رفلة صانع النجوم والأفلام الغنائية.

شارك بليغ بتلحين أغنيتين في الفيلم لوردة، فالتقت مع من تمنت لقاءه والزواج به يوما. حدث نجاح مدوٍ للفيلم حين عرض عام 1962 وبدأ الحب يكبر بينها وبين بليغ. تقدم بليغ لخطبتها، لكن رفض والدها لخوفه عليها من الوسط الفني. شاعت في ذلك الوقت إشاعة علاقة وردة بعبد الحكيم عامر، لكنها لم تكن حقيقة. سافرت مع الأسرة للاحتفال باستقلال الجزائر، هناك تقدم لخطبتها جمال قصري الضابط الشاب، وأحد مجاهدي حركة التحرير. انصاعت لقرار الأسرة تخلصا من إشاعات القاهرة. تسع سنوات من الاعتزال انجبت فيهما ابنها رياض وابنتها وداد. عادت إلى الغناء مع العيد العاشر للاستقلال عام 1972 بطلب من الرئيس الجزائري بومدين بنفسه. شاءت الظروف أن يظهر بليغ في حياتها من جديد، لسفره لتلحين الأغنية التي ستغنيها. حين التقي بها بليغ تجدد العشق في قلبه، وحدثت الأزمة النفسية من جديد.

هل تعود للغناء وتترك بيتها وأولادها. حسمت وردة قرارها واختارت الغناء. انفصلت في ألم شديد عن زوجها الجزائري، وودّعت طفليها علي أمل أن تلقاهم يوما للإقامة معها في القاهرة. لا يخلو الكتاب من صراعات بين الفنانين مثل نجاة الصغيرة، وبشكل أكبر فايزة أحمد، خاصة بعد وفاة أم كلثوم، على من يحتل مقامها، يذكرها أيمن الحكيم ومن ساهموا فيها. حفل الزواج وكيف غاب عنه بليغ وسافر إلى بيروت، وقيل تفسيرا لذلك أنه سافر لحبه للكاتبة غادة سمان، وأن أصدقاء له في بيروت حذروه، أنها ستحضر زواجه في القاهرة لتفسده، فسافر إليها. لكن أيمن الحكيم يفند ذلك، فقد كانت غادة السمان متزوجة قبل سفره هذا، ويقدم التفسير الأصح، وهو أن أصدقاء بليغ قرروا أن يكون حفل الزواج صاخبا، مليئا بالنجوم والشراب والأكل والرقص، ورأي بليغ أن ذلك ليس مناسبا لحضور أمه وأخواته البنات، وهو لا يريد أن يحرم أمه بالذات من الفرحة فسافر. عاد بليغ من السفر وسامحته وردة وتزوجا في 29 مارس 1973. بعد الزواج حدث العبور وحرب أكتوبر/تشرين الأول، وصفحات مع أجمل ما تم تقديمه من أغانٍ، وبينها أغنية وردة وبليغ «وانا على الربابة باغني» من كلمات عبد الرحيم منصور. تجربة وردة مع المسرح والمخرج جلال الشرقاوي وأوبريت تمر حنة الغنائي، ومشاكل العرض وغيره وكيف انتهت. براءة وردة مما حدث من بعض الجمهور، وعبد الحليم يغني أغنيته» قارئة الفنجان». ونستمر مع حكاية وردة بين الأزمات والحلول.

أزمة كبرى عام 1977 والتوترات بين القذافي والسادات بسبب الصلح مع إسرائيل، واستعداد جيش القذافي لغزو مصر، وكيف انتهي الأمر بسلاح الجو المصري في معركة سريعة. هنا تأتي أزمة وردة التي قبلت دعوة القذافي، لتغني في ليبيا في احتفالات ثورة الفاتح ومعها بليغ. أدى ذلك إلى منع أغانيها من الإذاعة والتلفزيون. تدخل محمد عبد لوهاب لتغني وردة في احتفالات أكتوبر وانتهت الأزمة.
يأتي الطلاق بينها وبين بليغ، طلاق تعددت أسبابه منها، أنها أُجهضت مرتين، وتخيل بليغ أنها السبب، فهو يريد أن يكون أبا، ومنها انشغاله عنها حتى إنه مرة وهو في أبوظبي، ودخلت هي لإجراء عملية جراحية لاستئصال الزائدة في مصر، لم يحضر من أبو ظبي. كذلك بدء بخله بألحانه، فحين أعجبها لحن « مش عوايدك» أهداه لميادة الحناوي. إشاعات عن غراميات بليغ، فضلا عن بوهيميته فلا نظام في حياته ومواعيده، وتم الطلاق في 13 نوفمبر/تشرين الثاني1979.

نمشي مع من كتبوا أغانيها بالإضافة لمن لحنوا لها غير بليغ، حتى جاء عصر الأغنية الشبابية، ورحلة وردة الناجحة مع الملحن الشاب صلاح الشرنوبي، والشاعر الغنائي عمر بطيشة، وكيف تصدرت المشهد. لا يخلو الأمر من حديث عن أحلام ضائعة لوردة مثل أغنية مشتركة مع الفرنسي الأرميني شارل ازنافور لم تتم وغيره. كان الانطباع السائد عنها قوتها، مما يبدو عليه جسمها، ورقبتها التي كانت محل إعجاب كبير، لكنها عانت من أمراض قديمة مثل هشاشة العظام، وجديدة مثل أزمات القلب وتليف الكبد، والعمليات التي أجرتها. عاصرت ثورة يناير/كانون الثاني في مصر، وكانت مع الثوار وضايقها صعود الإخوان المسلمين، لكنها توفيت في17 مايو/أيار 2012. تحقق حلمها أن تموت في مصر وتدفن في الجزائر، إذ أرسل الرئيس الجزائري بو تفليقة طائرة حربية، نقلت جثمانها ليدفن في مقابر الشهداء، التي تضم رفات أسماء مثل بومدين وبن بيلا. قيل إنه تم نقلها ليلا وبسرعة، خوفا من عدوان الإخوان والسلفيين على الجنازة، لكن الحقيقة لم تكن كذلك. لقد أقيم بعدها عزاء في مسجد الحامدية الشاذلية في مصر رسميا وشعبيا، حضره ابنها رياض وابنتها وداد من الجزائر، وبلا أي مشاكل.
الكتاب جهد رائع من المؤلف أيمن الحكيم، وتوثيق دقيق لكل الأحداث، وحوارات له مع الكثيرين ليصل إلى الحقائق، ويحقق كلمة الختام:» قبل 14 عاما رحلت وردة ليتأكد حضورها وتنضم إلى قائمة الأساطير!».


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...