بقلم الأستاذ حسن رقيق( كاتب ووسيط أسري)
في عصر الثورة الرقمية أصبحت المعلومة تنتقل بسرعة الضوء، وتحولت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات مفتوحة لتداول الأخبار والآراء والصور والمقاطع المرئية. غير أن هذه السرعة الهائلة في نقل المعلومات صاحبتها ظاهرة خطيرة تتمثل في انتشار الإشاعات الإلكترونية، حتى غدت بعض الأخبار الكاذبة أو المضللة تصل إلى ملايين الناس في ساعات معدودة، مسببة أضراراً اجتماعية ونفسية وأخلاقية جسيمة.
والإشاعة في حقيقتها خبر يفتقد إلى التحقق والتوثيق، يتناقله الناس دون التأكد من صحته، فتتحول الكلمة العابرة إلى رأي عام، وقد تتحول الشائعة الواحدة إلى مصدر فتنة أو ظلم أو تشويه لسمعة الأفراد والمؤسسات.
لقد وضع القرآن الكريم منهجاً راسخاً للتعامل مع الأخبار قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. فالتبين ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو واجب شرعي وعقلي يحمي الإنسان من الوقوع في الخطأ والظلم، ويحفظ المجتمع من الفوضى والاضطراب. ومن هنا فإن المسلم مطالب بألا يجعل نفسه جسراً تعبر عليه الأخبار دون تمحيص، أو وسيلة مجانية لنشر ما لم يثبت صدقه.
ومن أبلغ الآيات القرآنية في تشخيص آلية انتشار الإشاعة قوله تعالى في حادثة الإفك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾. وقد توقف المفسرون عند هذا التعبير القرآني البديع، إذ لم يقل سبحانه: “تتلقونه بآذانكم”، مع أن السمع هو الأداة الطبيعية لتلقي الخبر، وإنما قال: ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
وقد أشار بعض أهل التفسير إلى أن في ذلك تصويراً دقيقاً لحال المروجين للإشاعة؛ فهم لا يمنحون الخبر فرصة للمرور على عقولهم أو موازينهـم النقدية، بل ينتقل الخبر مباشرة من لسان إلى لسان، ومن شخص إلى آخر، دون توقف للتثبت أو التحقق. فكأن اللسان أصبح أداة التلقي وأداة النشر في الوقت نفسه.
وهذا المعنى يكشف عن واحدة من أخطر آفات العصر الرقمي؛ إذ يكفي أن تصل الرسالة إلى هاتف أحدهم حتى يبادر إلى إعادة إرسالها أو نشرها أو التعليق عليها قبل أن يسأل: هل الخبر صحيح؟ ما مصدره؟ ما آثاره؟ وهل يترتب على نشره ضرر أو ظلم لأحد؟
إن الآية الكريمة تذم هذا السلوك الذي يقوم على العجلة والخفة والاندفاع، لأن الخبر حين يُتداول قبل فحصه يتحول إلى إشاعة، وحين تتسع دائرة تداوله يصبح من الصعب احتواء آثاره مهما تبين كذبه بعد ذلك.
ومن هنا تبرز قيمة التؤدة والتروي في التعامل مع الأخبار. فليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يُصدق. وقد كان العقلاء يعدون التثبت علامة رجاحة العقل، بينما تعد العجلة في تناقل الأخبار مظهراً من مظاهر الطيش وقلة المسؤولية.
وفي زمن الضغطة الواحدة والمشاركة الفورية، أصبحت مسؤولية الفرد أكبر من أي وقت مضى. فكل مستخدم لوسائل التواصل أصبح أشبه بناشر إعلامي، وما ينشره قد يبني أو يهدم، وقد يصلح أو يفسد، وقد يجمع أو يفرق.
لذلك فإن الواجب الأخلاقي والديني يقتضي أن نجعل من قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ قاعدةً حاكمةً لكل ما يرد إلينا من أخبار، وأن نستحضر دائماً التحذير القرآني البليغ في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، حتى لا نكون شركاء في صناعة الإشاعة أو وقوداً لانتشارها.
فالتثبت حكمة، والتروي مسؤولية، أما التسرع في نقل الأخبار دون تحقق فهو باب من أبواب الخطأ والندم، بل قد يكون سبباً في ظلم الأبرياء وإشاعة الفتن بين الناس.
ولعل اختيار لفظ ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ يوحي بأن بعض الناس يجعلون ألسنتهم أسرع من عقولهم، فينقلون الخبر فور سماعه، دون فحص أو تدقيق، وهو سلوك وصفه القرآن في سياق الذم والتحذير لما فيه من خفة وطيش وغياب للمسؤولية.





