في 2 مارس/آذار الماضي، نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية تحقيقا مفصلا، بعنوان “داخل خطة قتل علي خامنئي”، بنته على شهادات عدد من مسؤولي الاستخبارات الإسرائيليين الحاليين والسابقين، وأشخاص آخرين مطلعين على العملية. وتصف الرواية التي رسمتها الصحيفة عملية اختراق استخباري شاملة استمرت على مدار سنوات، وبلغت ذروتها باغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير/شباط.
وفقا لهذه الرواية، كانت كاميرات المرور في طهران، جميعها تقريبا، مخترقة لسنوات، وصورها تشفر وترسل إلى خوادم في تل أبيب وجنوب إسرائيل. وتقول الصحيفة إن واحدة من تلك الكاميرات كانت بزاوية مثالية، تكشف المكان الذي اعتاد حراس خامنئي الشخصيون ركن سياراتهم فيه قرب مجمعه في شارع باستور. من تلك الزاوية، بنت الاستخبارات الإسرائيلية ملفات تفصيلية تضمنت عناوين سكن الحراس، وساعات مناوباتهم، ومساراتهم اليومية، والأهم أي مسؤول كبير يحمون.
“جميع كاميرات المرور في طهران كانت مخترقة لسنوات، وصورها تشفر وترسل إلى خوادم في تل أبيب”
لم تكن الكاميرات، بحسب التحقيق، سوى طبقة واحدة من مئات مصادر المعلومات الاستخبارية، حيث تصف الصحيفة كيف عطلت إسرائيل مكونات نحو 10 أبراج اتصالات قرب شارع باستور، فجعلت هواتف فريق الحماية تبدو مشغولة حين يُتصل بها، مما منع وصول أي تحذير. وتشير إلى أن خوارزميات تحليل الشبكات الاجتماعية مشطت مليارات نقطة بيانات لرسم خرائط مراكز صنع القرار وتحديد أهداف جديدة.
وقد صبت معلومات الوحدة “8200” الإسرائيلية للاستخبارات الإلكترونية، مع عملاء الموساد البشريين، بجانب جبال البيانات التي هضمتها الاستخبارات العسكرية، في خط إنتاج واحد بمنتج واحد: الأهداف. وكما أوضح إيتاي شابيرا -عميد احتياط في الجيش الإسرائيلي وخبير استخبارات لأكثر من 25 عاما- للصحيفة البريطانية: “في ثقافة الاستخبارات الإسرائيلية، تعد استخبارات الاستهداف القضية التكتيكية الأهم. إذا قرر صانع القرار أن شخصا ما يجب اغتياله، فالثقافة في إسرائيل هي: سنوفر استخبارات الاستهداف”.
ثم كانت الطبقة الأخيرة والحاسمة التي ذكرتها الصحيفة، وهي إن الأمريكيين امتلكوا مصدرا بشريا أكد أن خامنئي سيعقد اجتماعا صباح ذلك السبت في مكتبه. ومن ثم أطلقت مقاتلات إسرائيلية، كانت تحلق منذ ساعات، ما يصل إلى 30 وحدة ذخيرة دقيقة التوجيه إلى المجمع. وقتل علي خامنئي مع ابنته وصهره وحفيده وعدد من كبار المسؤولين في الحال.
هذه هي الرواية الغربية، التي صاغتها الصحف بالاستعانة بمصادر إسرائيلية. وهي رواية تحمل كل سمات السردية الاستخبارية المنتصرة: تفاصيل تقنية مبهرة، ونسبة التفوق إلى البراعة لا إلى التفاوت الهائل في القوة والتقنية. لاحظ هنا أن أيا من هذه التفاصيل لم يصدر عن مصدر إيراني أو مستقل، وأن إسرائيل لها مصلحة واضحة في رسم صورة الاختراق الشامل.
لكن، حتى لو أخذنا الرواية بالتحفظ الذي تستحقه، فإن ما حدث لإيران لم يحدث لأن إسرائيل بارعة بالقدر الذي تود أن تبدو عليه، بل ربما حدث لأن إيران كانت تعاني من مشكلة بنيوية تمثلت في أن كاميرات المراقبة أجنبية الصنع وبثغرات معروفة، مع شبكات اتصالات مركزية غير معزولة، وبيئة رقمية مفتوحة، ومنظومة أمنية صممت بالكامل دون أن تحصن ضد من ينظر إليها من الخارج.
ببساطة، ما فعلته إسرائيل والولايات المتحدة هو استغلال ثغرات بنيوية كانت موجودة قبل أي عملية استخبارية. التفوق التقني حقيقي وواضح، لكنه ليس العامل الحاسم الوحيد هنا، بل قد يكون العامل الحاسم هو أن البنية التحتية التقنية الإيرانية كانت مفتوحة أمام خصومها من الأساس. والدليل على أن هذه مشكلة بنيوية، وليست قدرا محتوما أمام قوة التكنولوجيا الغربية، هو أن دولة واحدة على الأقل أغلقت كل باب من تلك الأبواب فعلا وهي الصين.
“العامل الحاسم هو أن البنية التحتية التقنية الإيرانية كانت مفتوحة أمام خصومها من الأساس”
على مدار العقدين الماضيين، ابتكرت بكين بنية تقنية مضادة بمنهجية محكمة، إذ استبدلت البنية التحتية للمراقبة بمنظومة محلية بالكامل، وشيدت منظومة اتصالات لا تعتمد على مورد أجنبي واحد، وأقامت جدارا رقميا يجعل الحصاد الاستخباري الأجنبي للبيانات أصعب بمراحل. لكن النموذج الصيني ليس وصفة قابلة للتطبيق في أي مكان.
فما بنته بكين تطلب عقودا من الاستثمار في صناعة تقنية محلية، وقاعدة صناعية قادرة على إنتاج كل شيء من الكاميرات إلى الرقاقات، ومنظومة حوكمة تتيح للدولة السيطرة الكاملة على البنية التحتية الرقمية. وهذه شروط لا تملكها معظم دول العالم، وهو ما يجعل القصة أكثر إلحاحا الآن ويطرح سؤالا مهما: إذا كان الحل الوحيد المثبت يتطلب أن تكون الصين، فماذا يعني ذلك لكل دولة أخرى ليست الصين؟
منظومة المراقبة الإيرانية
المفارقة التي تكشفها تفاصيل عملية اغتيال خامنئي، حتى في حدود الرواية الإسرائيلية، ليست أن إيران كانت ضعيفة تقنيا، بل على العكس. لقد أسست إيران واحدة من أكثر منظومات المراقبة الداخلية تطورا في المنطقة، ولديها شبكة كاميرات واسعة في طهران والمدن الكبرى، واستخدمتها بفاعلية لتتبع المتظاهرين واعتقالهم، بجانب امتلاكها قدرات متطورة في التعرف على الوجوه، وسيطرتها على شبكات الاتصالات. المشكلة أن كل هذه الأدوات بنيت لتوجه إلى الداخل، ولم يحصن أي منها ضد خصم من الخارج، كما ظهر جليا بعد أحداث حرب يونيو/حزيران العام الماضي.
خذ الكاميرات مثلا؛ كشف تحقيق حديث لمنظمة “فوربيدن ستوريز” أن السلطات الإيرانية اشترت سرا عام 2019 برنامج التعرف على الوجوه الروسي “فايند فيس” القادر على التعرف على وجه في حشد من قاعدة بيانات تضم 500 مليون وجه في أقل من الثانية. وفي 2021، وقعت الحكومة عقدا مع إحدى الشركات نص على توفير 200 كاميرا مراقبة تعمل بالتعرف الآني على الوجوه، مدعومة بقاعدة بيانات تضم “300 مليون حدث”، ومصطلح “حدث” هنا يشير إلى الخوارزمية التي تتعرف على الوجه. تلك المنظومة كانت فعالة للأغراض الداخلية، لكنها كانت مبنية على أجهزة مكشوفة للاختراق الخارجي.
“لم تعمل الكاميرات الصينية في طهران ضمن شبكة معزولة كما تعمل في بكين، بل ضمن بنية تحتية قابلة للاختراق”
وهنا تتكشف طبقة أخرى من المفارقة؛ بناء على تحليل معهد “لوي” للسياسات الدولية الصادر في يناير/كانون الثاني الماضي، فإن إيران بنت منظومتها الأمنية التقنية بالاعتماد على كاميرات صينية الصنع دخلت عبر وسطاء محليين وموزعين، وغذت أنظمة مراقبة على مستوى المدن. لكن ما يهم ليس استيراد الأجهزة فحسب، بل أن إيران لم تؤسس المنظومة المحلية القادرة على تأمين هذه البنية التحتية ضد الاختراق. فلم تعمل الكاميرات الصينية في طهران ضمن شبكة معزولة كما تعمل في بكين، بل ضمن بنية تحتية قابلة للاختراق.

ولا يقتصر الأمر على إسرائيل، إذ إن إيران نفسها تعرف أن تلك الكاميرات قابلة للاختراق، لأنها تفعل الشيء ذاته بكاميرات المراقبة في دول أخرى. وقد وثق تقرير لشركة “تشيك بوينت ريسرش” ، نشر في مارس/آذار، موجة مكثفة من محاولات الاختراق الإيرانية لكاميرات مراقبة من طراز هيكفيجن (Hikvision) وداهوا (Dahua) في إسرائيل وقبرص ودول أخرى في المنطقة، بدأت مع الساعات الأولى للحرب.
“تستخدم طهران الكاميرات المُخترقة لتقييم الأضرار بعد الضربات الصاروخية”
ربط التقرير هذا النشاط بطريقة إيرانية تستخدم الكاميرات المخترقة لتقييم الأضرار بعد الضربات الصاروخية. وفي حرب يونيو/حزيران العام الماضي، رصد الباحثون اختراقا إيرانيا لكاميرا شارع أمام معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل قبل أن يضربه صاروخ باليستي بوقت قصير. بمعنى آخر، كانت إيران تستخدم الثغرات ذاتها التي استخدمت ضدها، وكانت تعرف أن كاميرات المراقبة من هيكفيجن وداهوا بها نقاط ضعف معروفة، مثل تجاوز المصادقة، وتنفيذ أوامر عن بعد، وكلمات مرور افتراضية لا تغير. لكنها استثمرت في استغلال هذه الثغرات في أراضي الآخرين، دون أن تغلقها في أراضيها.
تكررت الصورة نفسها في طبقة الاتصالات؛ وفقا لمستندات داخلية لإحدى شركات الاتصالات الإيرانية، نشرها موقع “ذا إنترسبت” ، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وكشفت أن منظمي شبكات الهاتف المحمول في إيران يملكون وصولا مباشرا إلى أنظمة تتيح تتبع مواقع المستخدمين آنيا، ورصد البيانات الوصفية، والتدخل في الاتصالات انتقائيا. هذه المنظومة كانت فعالة في تتبع حركة الاحتجاجات التي بدأت في سبتمبر/أيلول 2022، لكنها في الوقت ذاته منظومة مركزية؛ أي اختراق لعقدة واحدة فيها يمنح المهاجم رؤية واسعة، وهو تحديدا ما تصفه رواية “فايننشال تايمز”.
لذا، ما يمكن استنتاجه أنه حين وجه خصم بالقدرات التقنية لإسرائيل والولايات المتحدة عينيه إلى تلك المنظومة من الخارج، لم يحتج إلى جهد لاختراقها، لأنها كانت مفتوحة أمامه من الأساس. وهو ما يقودنا إلى السؤال التالي: ماذا لو أن دولة، مثل الصين، ابتكرت منظومة المراقبة ذاتها، لكنها صنعت الكاميرات بنفسها، وشغلتها على شبكتها الخاصة، ولم تستورد البرمجيات من أحد؟
كاميرات المراقبة
في عام 2005، أطلقت الصين مشروعا باسم “سكاي نت” وكان الهدف المعلن بسيطا وهو تغطية المدن الكبرى بكاميرات مراقبة لمكافحة الجريمة. بحلول عام 2013، حين كشفت الحكومة عن وجود المشروع علنا، كانت الشبكة تضم أكثر من 20 مليون كاميرا. ثم في عام 2015، جاء مشروع “العيون الحادة” ليمد الشبكة إلى الأرياف والبلدات الصغيرة، إذ أوضحت هيئة التخطيط الوطنية الصينية الهدف منه بوصفه منظومة مراقبة بالفيديو “منتشرة في كل مكان، ومترابطة بالكامل، وتعمل دائما، وقابلة للسيطرة الكاملة، وتغطي 100 في المئة من الفضاءات العامة”.
اليوم، تتحدث الأرقام عن واقع مختلف تماما عن أي دولة أخرى، فبعض التقديرات الحديثة تشير إلى أكثر من 600 مليون كاميرا تعمل في الصين. ولكن الفارق ليس في العدد فحسب، ففي الدول الغربية، معظم كاميرات المراقبة مملوكة للقطاع الخاص، بينما في الصين، يدار معظمها أو يراقب مباشرة من مكاتب الأمن العام. ويدمج مشروع “العيون الحادة” حتى الكاميرات الخاصة، تلك المثبتة خارج المحلات والمجمعات السكنية، في الشبكة الحكومية.
“هناك أكثر من 600 مليون كاميرا تعمل في الصين يُراقب معظمها من مكاتب الأمن العام”
وهنا يكمن الفارق الجوهري مع إيران، فالمسألة ليست أن الصين تملك كاميرات أكثر، لكنها هي من صنع تلك الكاميرات ومن يديرها. إذ تسيطر شركات هيكفيجن وداهوا ويونيفيو، وهي 3 شركات صينية، على نحو 60% من سوق المراقبة المحلية وفق آخر تقديرات عام 2025. وتعد شركة هيكفيجن وحدها أكبر مصنع لمعدات المراقبة بالفيديو في العالم، وهي مملوكة بنسبة 42% للحكومة الصينية.
اشترت إيران كاميرات صينية الصنع ودخلت عبر وسطاء، ثم ركبت عليها برمجيات روسية للتعرف على الوجوه اشترتها سرا، لكنها لم تصنع أيا من المكونات داخليا، ولم تطور أيا من الخوارزميات، ولم تتحكم في سلسلة التوريد. لكن الأمر يتجاوز الملكية وحدها. فبعد أن فرضت واشنطن عام 2019 حظرا على تصدير الرقائق الأمريكية المتقدمة، من شركات إنتل وإنفيديا إلى شركات المراقبة الصينية، ردت شركات هيكفيجن وداهوا بتحويل خرائط تصميمها نحو رقائق محلية. ومن ثم تسبب الحظر الذي أراد إضعاف المنظومة الصينية في تدشين منظومة رقائق محلية بالكامل.
ثم هناك البنية الشبكية نفسها؛ منظومة “سكاي نت” تدار عبر شركات الاتصالات الحكومية الثلاث: تشاينا موبايل، وتشاينا يونيكوم، وتشاينا تيليكوم، إذ لا تمر الكاميرات عبر شبكة الإنترنت العامة، بل عبر شبكات حكومية مخصصة. ويربط مشروع “العيون الحادة” كاميرات القرى والبلدات بمراكز قيادة موحدة على مستوى المقاطعات. وفي عام 2025، أصدرت الشرطة الصينية قواعد تلزم مشغلي أنظمة المراقبة بتسجيل أنظمتهم لدى أجهزة إنفاذ القانون المحلية، ما يعني أن كل كاميرا على الأراضي الصينية، حكومية أو خاصة، باتت مسجلة ومرئية للدولة.
“كل كاميرا على الأراضي الصينية، حكومية أو خاصة، باتت مسجلة ومرئية للدولة”
وفي العام ذاته، أطلقت الحكومة “نظام المصادقة الوطني للهوية على الإنترنت”، وهو منصة مركزية تصدر “أرقام شبكة” و”أوراق اعتماد شبكية” لكل مستخدم، ما يعني أن كل موقع يزار وكل رسالة ترسل تمر عبر ملف رقمي واحد. كما أن منظومات التعرف على الوجوه مدعومة بتقنيات طورتها شركة “ميغفي” الصينية، وتحليلات شركة “سنس تايم” ، وقدرات شركة “ييتو” للذكاء الاصطناعي. ولا وجود لمكون أجنبي واحد في الطبقات الحساسة داخل المنظومة.
هذا لا يعني أن المنظومة الصينية منيعة؛ فقد كشف تسريب قاعدة بيانات شرطة شنغهاي عام 2022 بيانات أكثر من مليار مواطن، وأظهر أن الضخامة نفسها تحمل هشاشتها الخاصة. لكن الفارق الذي يهمنا هنا ليس ما إذا كانت المنظومة مثالية، الفارق هو أنها محلية بالكامل، فحين اخترقت إسرائيل كاميرات طهران، استغلت ثغرات في أجهزة لم تصنعها إيران ولم تتحكم في تحديثاتها الأمنية.
“أي محاولة للاختراق السيبراني للصين تعني اختراق أجهزة صينية، عبر شبكات صينية، مدارة من شركات صينية حكومية، خاضعة لقوانين أمن سيبراني صينية، ما يجعل المسافة بين الثغرة والهدف أطول بمراحل”
أما المنظومة الصينية فأي محاولة مماثلة لاختراقها تعني اختراق أجهزة صينية، عبر شبكات صينية، مدارة من شركات صينية حكومية، خاضعة لقوانين أمن سيبراني صينية. ولذا، فإن المسافة بين الثغرة والهدف أطول بمراحل. المفارقة أن الكاميرات نفسها التي تخترقها إيران في أراضي الآخرين، هيكفيجن وداهوا، هي التي تصنعها الصين وتصدرها إلى العالم. إذ تبيع الصين الأجهزة للآخرين، لكنها تحتفظ لنفسها بالمنظومة المغلقة. لكن الكاميرات ليست سوى الطبقة الأولى، فماذا عن الشبكة التي تحمل إشاراتها؟
أبراج الاتصالات
حين عطلت إسرائيل أبراج الاتصالات قرب شارع باستور في العاصمة طهران، لم تكن تخترق منظومة عسكرية سرية، بل كانت تتلاعب بالشبكة التجارية نفسها التي يستخدمها المواطن الإيراني. ووفق الرواية الإسرائيلية، كان فريق حماية المرشد الأعلى يتواصل عبر البنية التحتية ذاتها التي يستخدمها سائقو سيارات الأجرة وأصحاب المتاجر. هذه ليست ثغرة تقنية فحسب، بل ثغرة هيكلية واضحة، فحين تعتمد اتصالات القيادة على الشبكة التجارية العامة، فإن أي خصم يستطيع التلاعب بتلك الشبكة يمكنه أيضا عزل القيادة في اللحظة الحاسمة.
أما في حالة الصين، فالوضع مختلف تماما، ولنبدأ بالحقائق الأساسية أولا. شركة هواوي هي أكبر مصنع لمعدات الشبكات في العالم، وتسيطر على نحو 31% من السوق العالمية، حتى منتصف عام 2025. وكذلك شركة “زي تي إي”، المملوكة جزئيا للدولة، تسيطر على 11% إضافية. شركات الاتصالات الصينية الثلاث الكبرى، تشاينا موبايل وتشاينا يونيكوم وتشاينا تيليكوم، كلها مملوكة للدولة وتعمل بالكامل على بنية تحتية محلية. ولا يوجد مورد أجنبي واحد في الشبكة الأساسية، فالمنظومة صينية من الألياف الضوئية إلى أبراج الجيل الخامس.
“شركة هواوي هي أكبر مصنع لمعدات الشبكات في العالم، وتسيطر على نحو 31% من السوق العالمية”
ما يجعل هذا الواقع أكثر دلالة هو أن الغرب يعرف تماما لماذا هذا مهم، لأنه يعاني من المشكلة بصورة معكوسة. في عام 2019، صنفت لجنة الاتصالات الفدرالية الأمريكية هواوي و”زي تي إي” بوصفهما تهديدا للأمن القومي، وحظرت على مزودي الإنترنت الأمريكيين استخدام الأموال الفدرالية لشراء معداتهما. وكان المبرر المعلن إصدار قانون مكافحة التجسس لعام 2014 وقانون الاستخبارات الوطنية لعام 2017 اللذين يلزمان المنظمات الصينية بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات، بمعنى أن واشنطن تقول لا يمكننا الوثوق بأن هواوي لن تفتح بابا خلفيا لبكين.
المفارقة هنا مزدوجة؛ المميزات ذاتها التي تجعل هواوي تهديدا في نظر واشنطن هي التي تجعل شبكات الاتصالات الصينية أصعب اختراقا. والدول التي تنفق المليارات لإزالة معدات هواوي من شبكاتها تعترف ضمنيا بالمبدأ نفسه الذي بنت عليه الصين منظومتها: من يصنع البنية التحتية يتحكم فيها.
لكن الدليل الأقوى على أن الصين تفهم البنية التحتية للاتصالات كسلاح استخباري لا يأتي من بنيتها الدفاعية، بل من عملياتها الهجومية. في عام 2024، كُشف عن أن مجموعة قراصنة صينية تعرف باسم “سولت تايفون” تابعة لوزارة أمن الدولة الصينية، اخترقت شبكات 9 شركات اتصالات أمريكية كبرى، منها “فريزون” و”إيه تي أند تي” و”تي موبايل” . واستهدف الاختراق أكثر من 80 دولة و600 منظمة، واستمر منذ عام 2019 على الأقل دون أن يكتشف.
“المميزات التي تجعل هواوي تهديدا في نظر واشنطن هي ذاتها التي تجعل شبكات الاتصالات الصينية أصعب اختراقا”
ما سرقته مجموعة “سولت تايفون” لم يكن بيانات عادية، إذ اخترقت المجموعة أنظمة “التنصت المشروع” وهي الأنظمة التي تستخدمها أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية للتنصت على المشتبه بهم بأمر قضائي. بمعنى آخر، الصين لم تتنصت على المكالمات فحسب، بل تنصتت على منظومة التنصت ذاتها. وفقا لعدة تقارير، شملت الأهداف اتصالات الرئيس دونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس خلال الحملة الانتخابية، ووصف رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الاختراق بأنه “أسوأ اختراق للاتصالات في تاريخ أمتنا”.
وهنا المفارقة التي تصل إلى حد السخرية، إذ اخترقت الصين شبكات الاتصالات الأمريكية عبر ثغرات في أجهزة شركة “سيسكو” غير المحدثة، بعدما تركت شركات الاتصالات الأمريكية نقاط وصول رئيسية مؤمنة بأسماء مستخدمين وكلمات مرور افتراضية. وهذا تحديدا نوع الثغرات البنيوية التي تحاول المنظومات الصينية تجنبها، لأن الشبكة والشركة والجهة الرقابية كلها تحت سقف الدولة نفسها.
لذا، ما كان يقود سياسة بكين بصمت منذ سنوات هو أن البنية التحتية للاتصالات ليست بنية تجارية محايدة، بل هي ساحة استخبارات، ومن لا يصنع معداته بنفسه يعمل على أرض خصمه. تقول إسرائيل إنها عطلت أبراج اتصالات إيرانية لعزل حراس خامنئي في اللحظة الحاسمة في أثناء الهجوم، بينما كشفت الوقائع أن الصين اخترقت شبكات الاتصالات الأمريكية وربما استمعت إلى مكالمات الرئيس الأمريكي (خلال حملته الانتخابية).
“البنية التحتية للاتصالات ليست بنية تجارية محايدة، بل هي ساحة استخبارات، ومن لا يصنع معداته بنفسه يعمل على أرض خصمه”
كلتا العمليتين قد تثبتان المبدأ نفسه، وهو أن شبكة الاتصالات هي الطبقة الأكثر حساسية في أمن أي دولة. والفرق بين إيران والصين هو أن إيران كانت على الطرف المستقبل لهذا المبدأ، بينما الصين على الطرف المرسل. لكن الكاميرات والأبراج تنقل بيانات، فماذا عن البيانات نفسها؟
جدار الحماية
تقول رواية “فايننشال تايمز” إن إسرائيل استخدمت تحليل الشبكات الاجتماعية لتمشيط مليارات نقاط البيانات، وتحديد مراكز ثقل غير متوقعة في منظومة صنع القرار، وكشف أهداف جديدة للمراقبة والاغتيال. ويتطلب هذا النوع من التحليل الخوارزمي واسع النطاق شيئا أساسيا: الوصول إلى البيانات. يحتاج إلى بيانات الاتصالات، وبيانات الموقع الجغرافي، وبيانات الشبكات الاجتماعية، وأنماط الاستخدام الرقمي. وفي إيران، رغم وجود رقابة داخلية، كانت البيئة الرقمية مكشوفة بما يكفي لتغذية هذا النوع من الحصاد الرقمي. في الصين، هذا الباب مغلق بطريقة مختلفة جذريا.
يحجب جدار الحماية الصيني العظيم أكثر من 311 ألف نطاق، استنادا إلى تقديرات عام 2020 (من المؤكد أن الرقم أكبر بكثير الآن). وتدخل كل حركة الإنترنت إلى الصين وتخرج منها عبر بوابات محدودة العدد، مجهزة بأدوات فحص عميق للحزم تراقب المحتوى على مستوى البروتوكولات. فلا وجود لمنصات غوغل، أو فيسبوك، أو يوتيوب، أو تطبيق واتساب، وبدلا من هذه المنصات، أسست الصين منظومة رقمية موازية بالكامل، تتكون من “وي تشات” للتراسل والدفع والخدمات الحكومية، التي تملك 1.09 مليار مستخدم نشط بحسب إحصاءات يونيو/حزيران 2025، ومنصة بايدو للبحث، وعلي بابا للتجارة الإلكترونية، وغيرها.
“يحجب جدار الحماية الصيني العظيم أكثر من 311 ألف نطاق، استنادا إلى تقديرات عام 2020”
في إيران، يستخدم المواطنون والمسؤولون على حد سواء تطبيقات تمر بياناتها عبر خوادم أجنبية أو يمكن اعتراضها خارج الحدود. وحتى مع وجود رقابة إيرانية على الإنترنت، ظل تطبيق تيليغرام شائعا على نطاق واسع حتى حجب جزئيا، واستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة “في بي إن” (VPN) واسع الانتشار. البيئة الرقمية الإيرانية بها ثقوب كافية لأي وكالة استخبارات متقدمة لتسحب منها بيانات بالجملة. في الصين، المنظومة الرقمية بأكملها محلية. وتنتج البيانات على منصات صينية، وتخزن على خوادم صينية، وتعالج بخوارزميات صينية. لا يوجد أنبوب بيانات يمر خارج الحدود يمكن لوكالة أجنبية أن تعترضه بسهولة.
ثم جاءت الطبقة القانونية لترسخ ما كان واقعا عمليا؛ إذ ألزم قانون الأمن السيبراني لعام 2017 مشغلي البنية التحتية الحيوية بتخزين البيانات المنتجة في الصين داخل حدودها. وأُجبرت الشركات الأجنبية العاملة في الصين على الامتثال أو المغادرة. ونقلت شركة “آبل” بيانات “آي كلاود” الصينية إلى خوادم محلية بالشراكة مع شركة صينية. ووسعت مايكروسوفت خدماتها السحابية “آزور” عبر شريك محلي.
وقد ذهب قانون أمن البيانات لعام 2021 إلى خطوة أبعد، إذ صنف البيانات وفقا لحساسيتها، وحظر على أي جهة تقديم بيانات مخزنة في الصين لأي وكالة حكومية أجنبية دون موافقة السلطات الصينية، بصرف النظر عن مستوى حساسية البيانات أو مكان جمعها الأصلي. وقيد قانون حماية المعلومات الشخصية في العام نفسه نقل البيانات الشخصية خارج الحدود.
“هناك منظومة قانونية تجعل من استخراج البيانات من الصين عملا غير قانوني وغير عملي في آن واحد”
كانت المحصلة 3 قوانين متشابكة تجعل من استخراج البيانات من الصين عملا غير قانوني وغير عملي في آن واحد. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، عدل قانون الأمن السيبراني للمرة الأولى منذ صدوره ليشمل مخاطر الذكاء الاصطناعي والتهديدات السيبرانية العابرة للحدود، مع رفع سقف الغرامات إلى 10 ملايين يوان (نحو 1.4 مليون دولار) للمؤسسات ومليون يوان (نحو 140 ألف دولار) للأفراد.
لكن الأحدث والأكثر دلالة هو ما وثقه باحثون في جامعة أكسفورد في دراسة نشرت في فبراير/شباط الماضي في “دورية الأمن السيبراني”. فقد فحصت الدراسة أكثر من 13 ألف موقع حكومي صيني، ووجدت أن عددا كبيرا منها يحجب الوصول من عناوين بروتوكولات أجنبية بالكامل. وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “الجدار العظيم المعكوس”. ويمنع جدار الحماية الأصلي المواطنين الصينيين من الوصول إلى المحتوى الأجنبي، في حين يمنع الجدار المعكوس العالم الخارجي من الوصول إلى المعلومات الصينية. وقد خلص الباحثون إلى أن هذا يمثل جهدا منهجيا لمنع جمع المعلومات الاستخبارية المفتوحة المصدر والتنقيب في البيانات الحكومية من الخارج.
تأمل في الفارق هنا، تحليل الشبكات الاجتماعية يتطلب وصولا إلى بيانات ضخمة من منصات التواصل، وسجلات الاتصالات، وأنماط التنقل. في إيران، هذه البيانات موزعة بين منصات أجنبية (تيلغرام مثلا كان الأكثر شعبية)، وشبكات اتصالات يمكن اختراقها من الخارج، وبيئة رقمية لا تفرض توطين البيانات بصرامة. في الصين، البيانات نفسها موجودة لكنها محبوسة داخل منظومة وي تشات وبايدو وعلي بابا، على خوادم صينية، محمية بقوانين تجرم إخراجها، خلف جدار يمنع حتى الوصول المفتوح إلى المواقع الحكومية. يصطدم الحصاد الخوارزمي واسع النطاق الذي مارسته إسرائيل ضد إيران هنا بجدار تقني وقانوني ومعماري.
“يمنع الجدار العظيم المعكوس العالم الخارجي من الوصول إلى المعلومات الصينية”
لا يعني هذا بالطبع أن الاستخبارات الأجنبية عاجزة تماما عن جمع بيانات من داخل الصين؛ وتظهر عمليات سولت تايفون نفسها أن الصين قادرة على اختراق شبكات الآخرين، ولا شيء يمنع المبدأ المعكوس نظريا. لكن الفارق البنيوي واضح هنا، ففي حالة إيران، كانت البيئة الرقمية مفتوحة بما يكفي للحصاد السلبي، بينما في الصين، تتطلب أي عملية جمع بيانات اختراقا نشطا لمنظومة محلية محكمة، وهو أمر أصعب كثيرا وأسهل في اكتشافه. الكاميرات، والأبراج، والبيانات؛ ثلاث طبقات أغلقتها الصين بمنظومات محلية، لكن توجد طبقة رابعة لا تغلق بالتقنية وحدها: العنصر البشري.
شبكة العملاء
في رواية “فايننشال تايمز”، كانت الطبقة الأخيرة والحاسمة في سلسلة استهداف خامنئي بشرية لا تقنية، إذ تقول إن الاستخبارات الإسرائيلية امتلكت معلومات من مصادر إلكترونية تؤكد أن الاجتماع في موعده والمسؤولين في طريقهم. لكن الأمريكيين امتلكوا شيئا أكثر حسما: مصدرا بشريا على الأرض أكد تلك التفاصيل.
المصدر البشري هو ما يحول المعلومة الإلكترونية من ترجيح إلى يقين؛ يمكنك أن تراقب كاميرات وتتبع هواتف وتحلل بيانات، لكن حين تريد إطلاق 30 وحدة ذخيرة دقيقة على موقع يضم المرشد الأعلى وقادة عسكريين من أعلى الرتب، ستحتاج إلى شخص يعرف ويؤكد تلك المعلومات. وهذه هي الطبقة التي بنت الصين ضدها أكثر دفاعاتها تدميرا.
“فككت الاستخبارات الصينية شبكة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية البشرية بالكامل داخل أراضيها”
بين عامي 2010 و2012، فككت الاستخبارات الصينية شبكة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” البشرية بالكامل داخل أراضيها. وأشارت التقديرات الأولية إلى مقتل أو سجن 18 إلى 20 مصدرا، بينما أشارت تقديرات لاحقة من مجلة فورين بوليسي إلى ارتفاع الرقم إلى 30 على الأقل. وأعدم أحد المصادر رميا بالرصاص في فناء مبنى حكومي أمام زملائه، كرسالة للآخرين. ووصف مسؤولون أمريكيون العملية بأنها من أسوأ الاختراقات الاستخبارية منذ عقود، وقارنوها بالأضرار التي سببها الجاسوسان ألدريتش أيمز وروبرت هانسن لصالح الاتحاد السوفياتي.
تشير تلك المقارنة إلى استغلال أجهزة الاستخبارات السوفياتية، ثم الروسية لاحقا، لاثنين من أبرز الجواسيس داخل الولايات المتحدة، وهما ضابط وكالة الاستخبارات المركزية ألدريتش إيمز، الذي تجسس لصالح موسكو من عام 1985 حتى اعتقاله عام 1994، وعميل مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت هانسن، الذي نقل أسرارا إلى الاتحاد السوفياتي ثم إلى روسيا، خلال فترة قالت السلطات إنها امتدت بين عامي 1979 و2001. وقد كشف الرجلان معلومات استخبارية أمريكية شديدة الحساسية، بما في ذلك مصادر بشرية، ما أسهم في واحدة من أكبر إخفاقات مكافحة التجسس إضرارا في التاريخ الأمريكي.
كيف كشفت الصين شبكة وكالة الاستخبارات الأمريكية؟ السبب هنا مزدوج، وكلا شقيه يرتبط مباشرة بقصة إيران. الشق الأول: نظام اتصالات سري. كانت وكالة سي آي إيه تستخدم منظومة اتصالات إلكترونية مع مصادرها في الصين، مبنية على مواقع إنترنت مموهة. المشكلة أن هذه المنظومة استوردت من عمليات الوكالة في الشرق الأوسط، حيث كانت البيئة الإلكترونية أقل خطورة بكثير.
وهنا تتقاطع القصتان، إذ تشير المصادر إن الثغرة في نظام الاتصالات السري اكتشفت أولا في إيران، التي شاركتها على الأرجح مع بكين، كما روت مجلة فورين بوليسي. بمعنى آخر، جزء من نجاح الصين في تفكيك شبكة وكالة الاستخبارات الأمريكية لم يكن استبصارا مستقلا، بل تعاونا استخباريا مع الدولة ذاتها التي اخترقت لاحقا بالكامل. لقد ساعدت إيران الصين في إغلاق الباب الذي عجزت هي عن إغلاقه لنفسها.
“ساعدت إيران الصين في إغلاق الباب الذي عجزت هي عن إغلاقه لنفسها”
الشق الثاني: خيانة من الداخل. في 2018، اعتقل جيري تشون شينغ لي، ضابط سابق في “سي آي إيه” عمل في بكين، واعترف لاحقا بالتآمر لارتكاب التجسس لصالح وزارة أمن الدولة الصينية. وتشير وثائق المحكمة إلى أنه تقاضى مئات الآلاف من الدولارات، لكن المحققين خلصوا إلى أن السبب لم يكن واحدا، بل تضافر وتراكم مجموعة من الأحداث، بين عميل مزدوج، ونظام اتصالات معيب، وعمل استخباري غير محكم في بعض الحالات.
ثم جاءت الضربة الثانية. في عام 2015، سرق قراصنة صينيون بيانات 22.1 مليون موظف حكومي أمريكي حالي وسابق من مكتب إدارة شؤون الموظفين الفيدرالي. لم تكن هذه بيانات عادية، بل شملت تحقيقات التصاريح الأمنية التي تتضمن تاريخ الصحة النفسية والعلاقات الشخصية والأقارب في الخارج والسجلات المالية وبصمات 5.6 ملايين شخص. أصبحت وكالة سي آي إيه تخشى أن الصين ستقارن قوائم موظفي السفارات الأمريكية بقاعدة البيانات المسروقة، وأي شخص يعمل في السفارة ولا يظهر اسمه في تلك السجلات الفيدرالية هو على الأرجح ضابط استخبارات يعمل تحت غطاء دبلوماسي.
بعد الكارثة المزدوجة، لم تكتف الصين بإصلاح الضرر، بل بنت منظومة تجعل تكراره أصعب بمراحل. إذ وسع قانون مكافحة التجسس المعدل عام 2023 تعريف التجسس ليشمل “جميع الوثائق والبيانات والمواد المتعلقة بالأمن والمصالح القومية”. ويلزم القانون جميع المواطنين والمنظمات بدعم جهود مكافحة التجسس والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه. وأطلقت وزارة أمن الدولة قناة على تطبيق وي تشات مع إرشادات مفصلة للمواطنين حول كيفية الإبلاغ.
في المقابل، لا تتوقف وكالة الاستخبارات الأمريكية عن المحاولة، ففي مايو/أيار 2025، أصدرت الوكالة أول مقطعي فيديو باللغة الصينية لتجنيد مصادر من داخل الحزب الشيوعي. وفي فبراير/شباط 2026، أصدرت مقطعا ثالثا يستهدف ضباط الجيش الصيني تحديدا، مستغلة حملة تطهير واسعة أطاحت بجنرال كبير. جون راتكليف، مدير الوكالة الأمريكية، وصف الصين بأنها “أولوية الوكالة الاستخبارية القصوى”. وردت بكين بغضب، وتعهدت باتخاذ “جميع التدابير اللازمة” لحماية أمنها القومي.
المفارقة الأخيرة في هذه الطبقة، مع نجاح وكالة سي آي إيه في زرع مصدر بشري أكد موقع خامنئي، يثبت أن إيران لم تغلق هذا الباب رغم عقود من العداء مع واشنطن. بينما أغلقته الصين في فترة قصيرة، وأسست فوقه جدارا محكما من القوانين والعقوبات والرقابة الشعبية.
“السؤال ليس إذا كان ما حدث قابلا للتكرار، السؤال هو: ما الذي يمكن فعله حقا لمنع تكراره؟”
هل الجدار الصيني منيع ولا يمكن اختراقه؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين، فالوكالة الأمريكية تقول إنها تحرز تقدما في إعادة بناء شبكاتها. ولكن حقيقة أن الوكالة لجأت إلى نشر مقاطع فيديو علنية على يوتيوب ، لتجنيد مصادر داخل أكثر دولة في العالم تشددا في مكافحة التجسس، وهو ما يرسم لنا مؤشرا عن حجم صعوبة المهمة. ووفق تقرير “فايننشال تايمز”، قال مسؤول استخبارات إسرائيلي إن زملاءه عرفوا طهران كما يعرفون مدن إسرائيل. لكن ما كشفه التحقيق، حتى في حدود روايته المنحازة، ليس قصة تفوق استخباري خارق، بل قصة فشل بنيوي داخلي. لم تكن إيران ضحية عبقرية خصومها، أكثر مما كانت ضحية بنيتها التحتية الممزقة.
نظرت الصين إلى هذا المشهد، قبل أن يتحقق بصورته الأخيرة، وبنت العكس. لكن هل يمكن اعتبار النموذج الصيني وصفة جاهزة يمكن نقلها لدول أخرى؟ الإجابة المباشرة: غالبا لا يمكن لأي دولة نقل التجربة الصينية. فما حدث لإيران لم يكن قدرا محتوما، بل نتيجة لخيارات يمكن تشريحها وفهمها، كما أوضحنا، وبينما أثبتت الصين أن تلك الأبواب يمكن أن تغلق، فإنها أثبتت أيضا أن إغلاقها يتطلب قاعدة صناعية متكاملة، وعقودا من الاستثمار الضخم، ومنظومة حوكمة لا تملكها إلا حفنة من الدول الكبرى.
في مكان آخر في العالم، يجلس مسؤول أمني شاهد تفاصيل عملية طهران وبات الآن يعرف أن ما حدث لأعلى رأس في سلطة إيران ليس حكرا على إيران، ويعرف أن النموذج الوحيد الذي أثبت قدرته على منع ذلك يتطلب أن تكون دولتك هي الصين. السؤال ليس إذا كان ما حدث قابلا للتكرار، السؤال هو: ما الذي يمكن فعله حقا لمنع تكراره؟
المصدر: الجزيرة






