عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
تضعنا بعض السلوكيات الإدارية المعزولة داخل الحرم الجامعي أمام مفارقات سريالية تدعو إلى التأمل والمساءلة ففي الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهوداً حثيثة لتشجيع البحث العلمي والتميز الأكاديمي نجد أنفسنا أمام واقعة غريبة تُحوّل جِدّ الطالب واجتهاده إلى صك اتهام يحتاج إلى تفتيش وإثبات براءة وقد تداول رواد منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً مقطع فيديو مؤثر للطالب بلال عنتر المسجل بالسنة الأولى شعبة القانون الخاص بجامعة محمد الخامس بالرباط ولم يكن الفيديو مجرد سرد لواقعة عابرة بل كان صرخة وعي تعكس معاناة نفسية وأكاديمية يعيشها الطالب المغربي في لحظات مصيرية كفترة الامتحانات.
ويروي الطالب بلال وهو شاب يجمع بين الشغف القانوني والموهبة الأدبية كشاعر وكاتب أنه وأثناء اجتيازه لامتحان مادة العلاقات الدولية انغمس في الكتابة مستعرضاً ثمرة بحثه واجتهاده لتفيض أوراقه بالصفحات لكن هذا التدفق الفكري قوبل باسترابة غير مبررة من أحد الموظفين الإداريين الذي دخل القاعة ليشن حملة تفتيش في أغراضه بل وأمره بالخروج لإعادة تفتيشه خارجاً واهماً أن غزارة الإجابة نتاج جهاز غش متطور (VIP) ورغم أن التفتيش لم يسفر عن شيء إلا أنه ترك خلفه وقتاً ضائعاً وتركيزاً مشتتاً ونفسية مكسورة تحت وطأة أسلوب اتسم بالإهانة والتحقير والتعامل مع الطالب بمنطق المتهم حتى تثبت براءته.
وفي إطار متابعتنا لهذه النازلة المثيرة للجدل تواصلنا مباشرة مع الطالب بلال عنتر وطرحنا عليه أسئلة جوهرية حول تفاصيل تلك اللحظات العصيبة وتبعاتها فكانت إجاباته كالتالي:
سؤال: بلال لقد عشت لحظات عصيبة داخل قاعة الامتحان بسبب هذا الشك غير المبرر كيف أثر هذا الارتباك والتفتيش المفاجئ على مسار إجابتك في الدقائق المتبقية من مادة العلاقات الدولية؟ وهل تمكنت من استعادة تركيزك بعدها؟
جواب: للأسف بعد ما وقع لم أتمكن من استعادة تركيزي ارتجفت يدي وتشتت أفكاري وحتى الأمثلة التي كنت أنوي إدراجها لم أستطع تنظيمها أصبحت أكتب بسرعة فقط لألحق بالوقت المحدد مما أثر على جودة إجابتي في الدقائق المتبقية.
سؤال: بعد أن قام الموظف الإداري بتفتيشك بدقة داخل وخارج القاعة ولم يجد أي دليل أو جهاز غش كيف كان رد فعله أو رد فعل المسؤولين في القاعة؟ هل قدموا لك اعتذاراً أو سمحوا لك بوقت إضافي لتعويض ما ضاع منك؟
جواب: لم يقدم لي أي اعتذار بل وقف مصدوماً وكأنه كان ينتظر أن يجد وسيلة غش بحوزتي لإرضاء ضميره وبين التفتيش الداخلي والخارجي ضاع وقتي ثم طلب من المراقبين أن يمنحوني دقيقتين إضافيتين فقط وهو وقت غير كافٍ لتعويض ما فقدته.
سؤال: بصفتك كاتباً وشاعراً أنت ترى أن هذه الواقعة هي نموذج لمعاناة صامتة يعيشها طلبة آخرون ما هي خطوتك المقبلة الآن؟ وهل تعتزم توجيه شكاية رسمية إلى عمادة الكلية أو رئاسة الجامعة لإعادة الاعتبار لكرامتك؟
جواب: أرى نفسي صوت الذين لا صوت لهم فكثير من زملائي يشتكون من نفس الأسلوب التعسفي والمعاملة السيئة لذلك اتخذت قراراً بتقديم شكاية رسمية إلى عميد الكلية حول ما وقع معي ليس فقط في هذه المرة بل في مرات عديدة حتى يُعاد الاعتبار لكرامة الطلبة.
سؤال: ما هي رسالتك للمسؤولين خاصة وزارة التعليم؟
جواب: رسالتي إلى وزارة التعليم أن تضع حداً لهذه الأساليب المهينة التي تُمارس داخل الامتحانات الطالب ليس متهماً بل هو شريك في بناء المعرفة المطلوب هو توفير بيئة عادلة تحفظ كرامة الطلبة وتشجعهم على الاجتهاد لا أن تُكسر نفسياتهم بالصراخ والتحقير.
إن هذه الشهادة الحية تفتح الباب على مصراعيه لمناقشة المقاربة التربوية والإدارية المعتمدة في مراقبة الامتحانات فمحاربة الغش مطلب مشروع وقانوني لحماية تكافؤ الفرص لكنه لا يجب بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى هوس أمني يُهدر كرامة الطلاب ويُحقر من كفاءاتهم بناءً على ظنون واهية وهي رسالة واضحة إلى رئاسة جامعة محمد الخامس وعمادة الكلية والأطر الإدارية بأن حماية الطالب نفسياً ومعنوياً هي جزء لا يتجزأ من توفير الظروف السليمة للاجتياز وأن الطالب الذي يملأ أوراقه بالتحليل يستحق التشجيع لا التوقيف والاشتباه.
وفي الختام فإن حالة الطالب بلال عنتر تلخص لسان حال الكثير من الطلبة المغاربة الذين يواجهون أساليب إدارية تحتاج إلى مراجعة وتخليق فالجامعة المغربية كانت وستظل منارة للفكر والحرية والكرامة والنهوض بها يتطلب قطعاً قاطعاً مع الممارسات التي تحول فضاء العلم إلى ساحة للخوف والتحقير لتظل كرامة الطالب هي الخط الأحمر الذي تُبنى عليه عدالة التعليم وجديته.





