بعد خسارة مقعد مجلس الأمن.. هل تراجع ألمانيا تمويلها للأمم المتحدة؟

إيطاليا تلغراف متابعة

تحدثت أصوات رسمية في ألمانيا عن احتمال تقليص نفقاتها ومساهماتها المالية في الأمم المتحدة بعد فشلها في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن، علما أن وزير الخارجية الاتحادي أكد مواصلة بلاده القيام بواجباتها تجاه المنظمة الدولية ومؤسساتها.

فبعد فشل ألمانيا قبل يومين في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي، بدأت تتعالى أصوات تطالب بخفض المساهمات المالية الألمانية في مؤسسات الأمم المتحدة.

ولأن ألمانيا تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من ناحية تقديم المساعدات الطوعية ودعم برامج المنظمة الدولية وفي المرتبة الرابعة بعد الولايات المتحدة والصين واليابان من ناحية تمويل الميزانية الأساسية، فإن أي انسحاب محتمل لها من تمويل المؤسسات التابعة للأمم المتحدة سيكون له أثر كبير على أداء هذه المؤسسات.

مراجعة الدعم

ورغم تأكيد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ورئيس الحكومة المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس التزام ألمانيا بتعهداتها تجاه تمويل المنظمة الدولية، إلا أن أصواتا رسمية كان أبرزها وزير الشؤون الدولية في ولاية هيسن مانفريد بينتس فجرت نقاشا إعلاميا بالدعوة إلى مراجعة مدفوعات ألمانيا في المنظمة الدولية.

وقال بينتس إنه إذا لم يعد لألمانيا في المستقبل النفوذ الذي تستحقه في المؤسسات الدولية فيجب أن نطرح سؤالا مشروعا حول سبب استمرار الحكومة في استثمار الأموال في الأمم المتحدة.

وبحسب بيانات ميزانية الأمم المتحدة وعمليات حفظ السلام للفترة الممتدة بين عامي 2025 و2027، تساهم ألمانيا بنحو 1.6 مليار دولار في تمويل ميزانية المنظمة وهو ما يمثل قرابة 6% من إجمالي ميزانية الأمم المتحدة وعملياتها لحفظ السلام.

ولا تقتصر مساهمات برلين على تمويل الميزانية الأساسية للأمم المتحدة فحسب، بل تشمل أيضا دعما ماليا كبيرا للبرامج الإنسانية والتنموية التابعة للمنظمة، ما يجعل ألمانيا أحد أهم الشركاء الماليين للأمم المتحدة في مجالات الإغاثة والتنمية ومساعدة اللاجئين حول العالم.

الرأي العام يؤيد

المجلة الألمانية المحافظة “فوكوس” (Focus) فتحت نقاشا واسعا مع القراء حول تداعيات فشل ألمانيا في الحصول على المقعد موجهة سؤالا للرأي العام بشأن جدوى استمرار برلين في دفع مليارات الدولارات للأمم المتحدة مقابل ما اعتبرته المجلة نفوذا سياسيا محدودا لألمانيا في المنظمات الدولية.

وبحسب المجلة فإن ردود القراء التي نشرها الموقع تشير إلى أن شريحة واسعة من المشاركين في النقاش أعربت عن تأييدها لإعادة النظر في حجم التمويل الألماني للأمم المتحدة، معتبرين أن ألمانيا تعد من أكبر الممولين للمنظمة لكنها لا تحصل على نفوذ سياسي يتناسب مع حجم مساهماتها.

ورأى عدد من المشاركين أن خسارة المقعد تعكس أن المساهمات المالية وحدها لا تكفي لضمان التأثير السياسي في إشارة إلى المنافسة مع دول تمتلك عضوية دائمة في مجلس الأمن رغم مساهماتها المالية الأقل.

كما حمل جزء آخر من التعليقات الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس ووزير الخارجية يوهان فاديفول مسؤولية الإخفاق متهمين المسؤولين بالفشل في إدارة الحملة الدبلوماسية بالشكل الكافي وعدم حشد دعم دولي واسع.

فرانسيسكا برانتنر:
الحكومة الاتحادية التزمت في الآونة الأخيرة الصمت تجاه انتهاكات عديدة للقانون الدولي

من المسؤول؟

الصحيفة اليسارية زود دويتشه تسايتونغ ) فضلت البحث عن المسؤولين عن الهزيمة، ونقلت عن رئيسة حزب الخضر فرانسيسكا برانتنر قولها “إن إخفاق ألمانيا في الحصول على المقعد يجب أن يُفهم على أنه عقوبة لسياسة خارجية فقدت المصداقية والثقة دوليا”.

وأضافت أن الحكومة الاتحادية التزمت في الآونة الأخيرة الصمت تجاه انتهاكات عديدة للقانون الدولي.

وشملت قائمة المنتقدين لحكومة المستشار ميرتس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي، إذ نقلت الصحيفة عن النائبة عن الحزب في البرلمان الاتحادي (بوندستاغ) إزابيل كاديمارتوري قولها إن مصداقية ألمانيا على الصعيد الدولي تضررت بشدة بسبب ما وصفتها بـ “سياسة الأعمال القذرة”.

وذلك في إشارة منها إلى تصريح لميرتس وصف فيه الهجمات الإسرائيلية على إيران بأنها “أعمال قذرة تقوم بها إسرائيل من أجلنا جميعا”، قاصدا الدول الغربية.

وطالبت المسؤولة بعودة السياسة الخارجية الألمانية إلى التزامها بـ القانون الدولي بدلا من التهديد بوقف المساهمات المالية أو الارتباط بسياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

كما طالب حزبا الخضر واليسار في تقرير الصحيفة بإدخال تعديلات واضحة على السياسة الخارجية الألمانية بالوقوف إلى جانب الأمم المتحدة في هذه الأوقات الصعبة بدلا من التفكير في خفض قيمة المدفوعات الألمانية في مؤسسات المنظمة.

لحظة صعبة

أما المجلة المحسوبة على اليسار الليبرالي “دير شبيغل” فقد اعتبرت أن الدبلوماسية الألمانية تعيش واحدة من أصعب لحظاتها بعد فشل ألمانيا في الفوز بالمقعد، مشيرة إلى أن نتيجة التصويت أثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل الدور الألماني داخل الأمم المتحدة وحول ما إذا كانت برلين ستعيد النظر في حجم مساهماتها المالية الكبيرة للمنظمة الدولية.

وأضافت أنه على مدى عقود كانت ألمانيا تنجح في جميع محاولاتها السابقة للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن، حيث شغلت هذا المقعد ست مرات كان آخرها خلال عامي 2019 و2020.

وفي التصويت الأخير خسرت ألمانيا أمام البرتغال والنمسا من الجولة الأولى وبفارق واضح، ما اعتُبر انتكاسة دبلوماسية كبيرة للمستشار فريدريش ميرتس ولوزير الخارجية يوهان فاديفول.

فاديفول نفسه أقر بإمكانية أن تكون مواقف ألمانيا الداعمة لأوكرانيا وإسرائيل قد أثرت على تصويت بعض الدول، لكنه شدد على أن بلاده لن تغير نهجها الأساسي تجاه إسرائيل

وتساءلت دير شبيغل “هل يستقيل وزير الخارجية؟”، وأجابت على هذا السؤال بالقول إن فاديفول كشف أنه فكر في تحمل مسؤولية سياسية عن هذا الفشل، إلا أنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يرى سببا يدفعه للاستقالة، كما أن استقالته في هذه المرحلة قد تُفسر على أنها إشارة ضعف إضافية للحكومة الألمانية التي تواجه ضغوطا داخلية وخارجية متزايدة.

وطرحت المجلة سؤالا آخر عما إذا كانت سياسة ألمانيا تجاه إسرائيل قد لعبت دورا في الهزيمة، وقالت إن بعض السياسيين خاصة داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي يرون أن مواقف برلين من الحرب في غزة ودعمها القوي لإسرائيل ربما أثرت في نتيجة التصويت.

وأضافت أن فاديفول نفسه أقر بإمكانية أن تكون مواقف ألمانيا الداعمة لأوكرانيا وإسرائيل قد أثرت على تصويت بعض الدول، لكنه شدد على أن بلاده لن تغير نهجها الأساسي تجاه إسرائيل.

وأكد أن ألمانيا ستواصل التمسك بمسؤوليتها التاريخية تجاه الدولة العبرية مع الاحتفاظ بحقها في انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية عند الضرورة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...