بين حرارة خانقة ورطوبة مرتفعة وعواصف رعدية متكررة وجودة هواء مهددة بسبب حرائق الغابات، يبدو أن التحدي الأكبر أمام المنتخبات المشاركة لن يكون فقط المنافسين داخل الملعب، بل الظروف المناخية خارجه أيضا.
على عكس أوروبا، التي نادرًا ما تتوقف فيها مباريات كرة القدم بسبب الأحوال الجوية، تعد العواصف الرعدية جزءًا من الحياة اليومية خلال الصيف في أجزاء واسعة من الولايات المتحدة.
وفي حين يعتاد المشجع الأوروبي على رؤية المباريات تُستكمل تحت أمطار غزيرة، فإن الأمر مختلف تمامًا في الولايات المتحدة، حيث يؤدي مجرد رصد صاعقة برق على بعد عدة كيلومترات من الملعب إلى إيقاف المباراة فورا.
وتعتمد السلطات الأمريكية على بروتوكولات صارمة تفرض تعليق أي حدث رياضي خارجي عند رصد البرق ضمن نطاق يتراوح بين 13 و16 كيلومترا من موقع المباراة.
وبمجرد حدوث ذلك، يتم إخلاء أرضية الملعب، وإبعاد الجماهير عن المدرجات المكشوفة، ثم يبدأ عد تنازلي مدته 30 دقيقة، وإذا تم رصد صاعقة جديدة خلال تلك الفترة، يبدأ العد من الصفر مجددا.
ولهذا السبب يمكن أن تستمر بعض التأجيلات لساعات طويلة دون وجود سقف زمني محدد، وقد شهدت كأس العالم للأندية الأخيرة 6 مباريات تعرضت لتأجيلات بسبب العواصف الرعدية، وهو رقم أثار قلقًا واسعًا قبل عام واحد فقط من انطلاق كأس العالم.
مدن تحت التهديد
تكمن المشكلة في أن العديد من المدن المستضيفة للمونديال تقع داخل مناطق تشهد نشاطًا مرتفعًا للعواصف الصيفية.
وتبرز مدن مثل ميامي، وبوسطن، وأتلانتا، وكانساس سيتي، ودالاس، وهيوستن، ونيوجيرسي ضمن أكثر المناطق عرضة للصواعق والعواصف الرعدية خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز.
ورغم أن بعض الملاعب مزود بأسقف ثابتة أو قابلة للإغلاق، فإن ذلك لا يلغي خطر التأجيل، لأن القوانين الأمريكية لا تركز على ما يحدث داخل الملعب فقط، بل على المخاطر المحيطة به أيضًا، ما يعني أن وجود سقف مغلق لن يمنع إيقاف المباراة إذا تم رصد البرق في المنطقة المجاورة.
ومن هنا جاءت المخاوف من احتمال تعرض مباريات كاملة للتأجيل أو حتى الاستكمال في اليوم التالي إذا استمرت الظروف الجوية الخطرة لفترات طويلة.
ماذا لو توقفت مباراة في كأس العالم عام 2026؟
السيناريو الذي كان يبدو غريبا قبل سنوات أصبح اليوم احتمالا واقعيا، فإذا توقفت مباراة بسبب البرق، يمكن أن يستمر التأجيل لساعات طالما استمرت الصواعق في الظهور داخل النطاق المحدد.
أما إذا أصبح استكمال اللقاء مستحيلا، فإن لوائح البطولة تسمح بإعادة استئناف المباراة في موعد لاحق، بدءا من الدقيقة التي توقفت عندها، بمعنى آخر، إذا توقفت مواجهة عند دقيقة معينة، فقد يعود اللاعبون في اليوم التالي لخوض الدقائق المتبقية فقط، كما حدث في مباراة بنفيكا وتشيلسي بآخر نسخة من كأس العالم للأندية حين اضطر اللاعبون للعودة بعد ساعتين من أجل استكمال خمس دقائق فقط من الوقت الأصلي.
وتزداد التعقيدات عندما يتعلق الأمر بالجولة الأخيرة من دور المجموعات، حين تُقام المباريات الحاسمة في توقيت واحد لضمان العدالة التنافسية، فإذا توقفت إحدى المباريات بينما استمرت الأخرى، ستجد “فيفا” نفسها أمام تحد تنظيمي غير مسبوق، يتعلق بما هو أكثر، وهو مبدأ تكافؤ الفرص وفقا لهذه المعطيات.
الحرارة.. العدو الأخطر
ورغم وضع العواصف الرعدية تحت المجهر بشكل أكبر، يرى العديد من الخبراء أن درجات الحرارة قد تكون الخطر الأكبر على البطولة، فخلال كأس العالم للأندية 2025، أُقيمت مباريات عدة في درجات حرارة تجاوزت 32 درجة مئوية، بينما جعلت الرطوبة المرتفعة الإحساس الفعلي بالحرارة أكثر قسوة.
وفقًا لجدول البطولة، فإن ما يقرب من ربع مباريات كأس العالم 2026 قد تُقام في ظروف تصنف ضمن “الحرارة الشديدة”، بما في ذلك المباراة النهائية المقررة في نيوجيرسي.
هذا الواقع دفع العديد من المدربين إلى التعبير عن مخاوفهم مبكرًا، وقال مدرب منتخب إنجلترا توماس توخيل إن فريقه يستعد لمواجهة تحديات استثنائية خلال البطولة.
وأكد المدرب الألماني أن كثرة السفر بين المدن المختلفة، إلى جانب درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية، ستجعل مهمة المنتخبات أكثر تعقيدًا.
وأضاف في المؤتمر الصحفي التالي لمباراة نيوزيلندا الودية: “لا نريد استخدام هذه الظروف كأعذار، لكن المهمة ستكون صعبة بكل تأكيد”.
اللاعبون يدفعون الثمن
ويحذر الأطباء وخبراء الأداء البدني من أن الحرارة المرتفعة لا تؤثر فقط على راحة اللاعبين، بل تضرب جوهر الأداء الفني والبدني.
فالركض المكثف، والضغط العالي، والسرعات القصوى تصبح أكثر صعوبة كلما ارتفعت درجات الحرارة، فيما يرى خبراء الطب الرياضي أن بعض اللاعبين قد لا يتمكنون من اللعب بنفس الكثافة التي اعتادوا عليها في البطولات الكبرى السابقة.
كما ترتفع مخاطر الجفاف والإجهاد الحراري والتشنجات العضلية، خاصة خلال المباريات التي تُقام خلال ساعات النهار، ولذلك اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم فترات توقف لشرب المياه خلال الأشواط، في محاولة للحد من التأثيرات السلبية للحرارة.
الجماهير في دائرة الخطر
المخاوف لا تقتصر على اللاعبين وحدهم، لأن آلاف المشجعين سيقضون ساعات طويلة داخل الملاعب المفتوحة تحت أشعة الشمس المباشرة.
الجماهير قد تكون أكثر عرضة للمضاعفات الصحية من اللاعبين أنفسهم، خاصة مع وجود كبار السن والأطفال والمصابين بأمراض مزمنة بين الحضور.
ولهذا السبب بدأت السلطات المحلية واللجان المنظمة إعداد خطط طوارئ تشمل نقاط تبريد إضافية ومناطق مظللة وتوزيعًا أوسع للمياه داخل الملاعب.
بين احتمالات التأجيل بسبب العواصف، ومخاطر الحرارة والرطوبة، وجودة الهواء المتأثرة بحرائق الغابات، تبدو كرة القدم أمام اختبار جديد لم تعتده بهذا الحجم، وفي الوقت الذي تستعد فيه المنتخبات لوضع خططها الفنية والتكتيكية، يدرك الجميع أن الطقس بات أشبه بـ”لاعب خفي” لا يمكن التنبؤ به أو السيطرة عليه.
المصدر: الجزيرة






